رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
سعيد محمود
سعيد محمود

لعنة "الترافيك"

الأحد 20/أكتوبر/2019 - 07:53 م
طباعة
شاهدت منذ فترة أحد أفلام "الأكشن" الأمريكية التي تم إنتاجها عام 2007، وخرجت منه بدرس هام جدا عن شغف "الترافيك" الذي اجتاح أغلب صناع الإعلام في العالم، إنه فيلم The Condemned.

في أول الأمر يبدو أنه مجرد فيلم "أكشن"، خاصة أن بطله هو نجم المصارعة الحرة "ستيف أوستن"، لكنه في حقيقة الأمر يوجه رسالة هامة جدا لنا جميعا، قبل أن تكون لصناع الإعلام في العالم أجمع.
تدور قصة الفيلم عن مخرج سادي جشع، قرر إنتاج أحد برامج تليفزيون الواقع لكن بشكل مختلف جدا، على أن يقدمه عبر الإنترنت فقط، وفي سبيل ذلك يستخدم الرشاوى ليتمكن من دخول أعتى سجون العالم وجمع عشرة من أخطر المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام، ثم يلقيهم في جزيرة بعد أن يخبرهم بقواعد اللعبة، وهي القتال حتى الموت في سبيل الحصول على الحرية، وكي يضمن عدم هروبهم قام بوضع القيود الإلكترونية في قدم كل واحد منهم، محذرا إياهم من وجود قنابل شديدة الانفجار في قيودهم سيقتلهم بها إن حاولوا الهرب.

نرى خلال مشاهد الفيلم أن المخرج الموتور قام بذلك ليقينه التام بحتمية نجاح مثل هذه النوع من البرامج، وأنه سيحقق أعلى المشاهدات على الإنترنت، وسيعود عليه بالمليارات، وهذا ما دفعه لجمع المجرمين من جميع أنحاء العالم، لضمان الانتشار الواسع، لكنه يواجه مشكله في العثور على مجرم عربي حتى يضمن دخول أكبر قدر من العرب على موقع البرنامج، قبل أن يغير رأيه عندما يرى سجينا أمريكيا مميزا، فيقرر استغلال حالة الكره الموجودة في العالم للأمريكان ويستعين بذلك السجين، معللا الأمر بأن كل من يكره أمريكا سيدخل على موقع برنامجه لمجرد أن يشاهد السجين الأمريكي وهو يموت.

نأتي هنا للخطوة الأكبر، وهي ضمان تحقيق نسبة المشاهدة العالية، لذلك قام المخرج بعمل إعلانات لبرنامجه على كل مواقع الألعاب والمواقع الإباحية، وأي موقع يدخله عدد كبير من المستخدمين "طريقة النعناع في الأوتوبيسات"، وبالفعل تحقق له ما أراد، ومع أول معركة شرسة على الجزيرة يحقق موقع البرنامج 5 ملايين مشاهدة في الدقائق الأولى، ولكم أن تتخيلوا أن في نهاية اليوم وصل عدد الزيارات إلى 40 مليون.

نكتشف مع سير الأحداث أن السجين الأمريكي كان من عناصر القوات الخاصة في الماضي، وهو الوحيد الذي يرفض تلك الحرب القذرة على الجزيرة، ويخوض معركة قوية ضد المجرم الذي قتل أغلب المتنافسين، وبالطبع ينتصر عليه في النهاية.

القصة هنا ليست قصة الأمريكي البطل، فالمخرج الدموي وفريق عمله أيضا من الأمريكان، إنما الرسالة الأهم والأخطر تتلخص في الحوار الذي يظهر في آخر الفيلم على لسان المخرج، في تسجيل أجرته معه مذيعة تلفزيونية قبل بث برنامجه، وهذا ما جاء فيه..

المذيعة: الأطفال حول العالم من الممكن أن يدخلوا بسهولة على موقعك ويشاهدون جريمة قتل على الهواء مباشرة.
المخرج: طالما أنهم يملكون "كريديت كارد" من حقهم أن يفعلوا ما يحلو لهم.. ثم إن هذه مسؤولية الأهل، عليهم أن يراقبوا ما يشاهده أولادهم.

المذيعة: لكن هذا ضد القانون.. يجب أن تتحمل مسؤولية هذا الكلام.

المخرج: أنا لم أجبر أحد على مشاهدة ما أقدمه.. الناس تحب رؤية مشاهد العنف وأنا قدمت لهم ما أحبوه.

وتختم المذيعة حديثها قائلة: عندما أجريت تلك المقابلة كنت غاضبة من شخص واحد وهو ذلك المخرج.. لكن بعد 24 ساعة عندما وجدت ملايين المشاهدات على الموقع الإلكتروني الذي بث تلك الكارثة ليساعدوه على النجاح لم أعد غاضبة.. بل حزينة جدا.. نحن من نشاهد هؤلاء ونكافئهم على جرائمهم.. يجب أن ندان على ذلك بشدة.

هذه خلاصة الفكرة، أو كما يقول البعض "الزتونة من وراء الفيلم"، الإعلام في العالم كله يسير على هذا المنهج إلا النذر اليسير منه، الكل يبحث عن أكثر الأشياء الجاذبة للمشاهدات و"الترافيك"، ثم الـ"لايك" وتابعه "شير"، ولا يهم في سبيل ذلك الاستهانة بالقيم والمبادئ والدين.

لكن..
كما قالت المذيعة في نهاية الفيلم، نحن من نشاهد هؤلاء ونكافئهم على جرائمهم، حقا.. نحن السبب في هذا كله، فمن الذي يشاهد ويقوم بتفضيل المعروض بـ"لايك"، ثم يساهم في نشره بـ"شير"، متسببا في صنع نجاحات لأناس لا يراعون أي شيء عند تقديم عملهم؟

قبل أن تلوموا الإعلام لوموا أنفسكم يا سادة، فلو كان المخرج المجنون في الفيلم يعلم يقينا أن الناس لن تلتفت لما سيقدمه، ما كان أقدم على مثل هذا البرنامج، بل ما كان فكر فيه من الأساس.

اقرأ أيضا



ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38