رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
د. سارة جميل
د. سارة جميل

الحرب لا تعرف الرتب بل الأبطال

الأحد 13/أكتوبر/2019 - 05:54 م
طباعة

يرتبط شهر أكتوبر في ذاكرتي بالعديد من المشاهد التي شكلت هويتي ووعي تجاه وطني، فأذكر أنني تعرفت عليه من خلال تكليف أستاذ اللغة العربية في الصف الرابع الإبتدائي بكتابة موضوع تعبير عن نصر السادس من أكتوبر 1973، وعندها كنت لا أعرف أن أكون الجمل بمفردي، ولا أستطيع التعبير عما يجول بخاطري، فظهر هنا دور والدي، وهو أحد المشاركين في هذا النصر وتحديدًا في سلاح الحرب الإلكترونية، ليأخذ بيدي ويسطر معي أحداث هذا النصر وهذه الذكرى العظيمة ويشكل وجداني معها.

وكتبنا معًا السطور التي تحمل كل منها ذكرى ما بين مشاهد الدماء والدمار وما بين احتفالات وهتافات النصر، فيبتسم عندما يتذكر كيف كتب الله له الحياة ليشاركني في الكتابة عن هذا النصر العظيم والمحفل التاريخي الفريد، ويحزن عندما يذكر زملاؤه الذين قتلوا دفاعًا عن هذا الوطن، وكيف رأي بعضهم وهو يحترق حتى لم يتبق منه شئ تتسلمه أسرته.

هؤلاء جميعًا مع اختلاف أسماؤهم ورتبهم العسكرية خلعوا جميعًا النياشين، وارتدوا سترات الحرب ليستردوا ما سلبه العدو ولم تتمكن طرق السلام من إسترداده فكانت الحرب، فتأكد لي هنا أن الحروب لا تعرف الرتب، بل الأبطال فالجميع شارك في حرب استرداد الأرض والكرامة معًا، والكثير منهم قد رحل ولكنه ترك لنا هذا الوطن المروي بدمائهم.

أذكر تلك اللمعة في عيون معلمي عندما رأي موضوعي الذي لم أكتبه بمفردي ولكن والدي قد شاركني الكتابة بل قام بسرد القصص أيضًا عن الحرب، كنت أخشى اللوم وأنا أخبره بذلك، ولكني وجدته يطلب من زملائي التصفيق لي مطالبًا بوقوفي لقراءة الموضوع، لأنه على حد تعبيره لن يجد كلمات مناسبة ليقولها أفضل من تلك المكتوبة بذاكرة رجل شارك في الحرب، ومن هنا كانت البداية.

وعندما طلب منى كتابة مقال لجريدة الطريق، وجدتني أذهب إلى ذكرى أكتوبر، وأسترسل في تذكر كيف بدأ عشقي للكتابة، وكيف بدأت التعبير عما في خاطري، فوجدتني دون تفكير أكتب هذه السطور، ولا أخفيكم سرًا أنني قد لجأت لوالدي ليقرأ هذه السطور ويعلق عليها قبل إرسالها للنشر كما تعودت عند كتابة موضوعات التعبير كل عام في مراحل التعليم الأساسي.

أما بالنسبة لي ولعدد لا بأس به من أبناء جيل التسعينات، الذي لم يعاصر الحرب ولكن تشكلت رؤيتنا من خلال عدد من الأفلام والمسلسلات التي وثقت للحرب وتناولت أحداث وقصص حقيقية عن أبطال قدموا أنفسهم دون إنتظار شهرة، فلا أمل من مشاهدة مسلسل رأفت الهجان للرائع الفنان محمود عبد العزيز بأجزائه الثلاث، فإذا ما انتهت أخر حلقاته اليوم وبدأت على قناة آخرى غدًا أجد أنني دون سيطرة أتابعها بكل شغف وكأنني أشاهده للمرة الأولي.

 وهكذا أيضًا لا يمكن أن يمر يوم السادس من أكتوبر دون أن أشاهد فيلم "الطريق إلى إيلات" الذي جسدت فيه المخرجة إنعام محمد علي، حالة عبقرية بين القائد وتلاميذه وروح التضحية بينهم، فالجميع مستعدون لبذل أقصى ما لديهم للوصول للهدف حتى لو اضطروا بتنفيذ مهمة إنتحارية في سبيل تحقيق الهدف، وبالإشارة إلى أن الفيلم مستند لقصة حقيقية وعرض صور أبطالها يزيد من الحماسة، وكيف أننا اليوم ننعم بأيام هادئة نتيجة لهذه التضحيات مقابل النظر إلي بعض الدول الشقيقة التي مازالت تعاني حتى الآن من ويلات الحرب والعدوان، فالحرب والسلام كلمتان متضادتان في المعني، ولكن في حالة مصر كانت العكس فلم تستطع مصر تحقيق السلام إلا عندما أثبتت للعالم أنها قادرة على الحرب واسترداد ما سلب منها.

فتحية مني إلى جميع الأبطال الذين قدموا أنفسهم فدءًا لهذا الوطن حتى ينعم أهله بالسلام، وإلي كل أم فقدت إبنها وكل زوجة ترملت وكل إبن وإبنه عاشوا يتامى، فبالرغم من أنها ذكرى نصر إلا أن الكثير من القلوب لم تتعافى بعد ومازال الألم يلاحقها كلما تذكرت.

 


ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38