رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
ads
ads
محمد توفيق
محمد توفيق

صوت منير وضوء عمرو

الثلاثاء 06/أغسطس/2019 - 07:41 م
طباعة


1

مجرد صدفة جعلت والد «عمرو» لا يجد سكنًا مناسبًا إلا في شارع «سيد درويش»!.

هذا المسكن المتواضع الذي لا يحوي أبسط الأثاث، ولا تزيد مساحته على الستين مترًا، عثر به «عمرو» على ضالته، «بيانو» قديم تركه جده لوالدته، تعلم أبجديات العزف عليه.

وحين وقعت النكسة، عانت الأسرة من مرارة التهجير، فذهبوا إلى محافظة الشرقية ليعيشوا هناك لسنوات، ثم عادوا بعدها إلى بورسعيد، وذهب «عمرو» إلى مدرسة «القنال» الإعدادية، وجلس في فصل من الصعب أن تجد فيه تلميذًا أهلاويًا، فالأسطورة تقول إن محافظات القناة لا تنجب أهلاوية، فصار زملكاويًّا!.

كان الغناء اهتمام «عمرو» الأول، وكان صوته المميز بمثابة فاصل غنائي بين الحصص، فصوته كان مميزًا بصورة لا يمكن تجاهلها، لكن نبوغه في الغناء لم يشفع له عند وضع درجات الامتحانات في الشهادة، لكنه كان ينجح في نهاية العام.

وظل «عمرو» هكذا حتى حصل على شهادة الثانوية العامة، وترك بورسعيد، وذهب إلى القاهرة عام 1982، والتحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية، وهناك تعرف على زميلة متفوقة اعتاد أن يسير بصحبتها في رحلة العودة من معهد الموسيقى إلى البيت، فكلاهما كان يصعد نفس الأوتوبيس، فيسارع «عمرو» ليدفع لها الأجرة مرة، وتسارع هي نحو الكمسري لتدفع له مرات!.

ومر العام الأول في معهد الموسيقى وصارت زميلة «عمرو» الأولى على الدفعة، وهذا التفوق اللافت جعلها الأشهر بين أبناء دفعتها، فالكل دائمًا يعرف الأول على الدفعة، ويبحث عنه، ويوثّق صداقته به، ربما ينفع في أيام الامتحانات؛ لكن «عمرو» لم يستفد من تفوق زميلته، وكان يسعد بصداقتها دون أن يشغله تفوقها.

2

اختار «عمرو» طريقًا آخر لإثبات قدراته، فقد ذهب إلى لجنة الاعتماد بالإذاعة المصرية المكونة من الموسيقار محمد الموجي والملحن حلمي بكر ليتم اعتماده مطربًا، لكن اللجنة رفضته بالإجماع، حيث كان يغلب على غنائه اللهجة البورسعيدية، ويومها أعطوه فرصة ستة أشهر ليواصل التدريب والتخلص من «اللكنة» البورسعيدية، وبعد مرور الشهور الستة عاد مرة أخرى، وغنى لهم دعاءً دينيًّا فتم اعتماده مطربًا في الإذاعة.

وفي العام التالي، سجل «عمرو» أول أغنية له بعنوان «الزمن»، وعلى الجانب الآخر كان النجاح لا يعرف طريقًا إليه، فعدم ذهابه إلى المعهد جعل الرسوب صديقه الصدوق، ومع تكرار رسوبه لم يعد استمراره في المعهد ممكنًا وصار «رفده» مسألة وقت، وبالفعل استنفد «عمرو» مرات الرسوب، وترك المعهد، وصار في نظر الناس فاشلًا راسبًا، لكنه ذهب ليبحث عن حظه في طريق آخر، وسار خلف حلمه أن يصبح مطربًا في شهرة عبدالحليم حافظ، وهذا هو السبب الوحيد في ذهابه إلى معهد الموسيقى.

وفي هذا التوقيت، كان يتنقل من بيت أحد زملائه إلى بيت آخر، مما جعل خطيبته الأولى تتركه، لكنه أصر على النجاح، فذهب للغناء في شارع الهرم، وفجأة لاحت له في الأفق بادرة أمل عندما أتيحت له الفرصة للغناء في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي، لكن النَّحس ظل يلاحقه، فلم يستطع لفت الأنظار لموهبته، وسخروا منه وأطلق عليه البعض وصف «المطرب العجّالي» لزيادة وزنه، وارتدائه بدلة واسعة اقترضها من أحد زملائه.

لكن «عمرو» ظل يحاول، ويسعى، ويجرب حتى نجح في إصدار ألبومه الأول بعد معاناة طويلة، لكن سعادته لم تكتمل؛ فبعد أن عمل بدأب على إنتاج «الشريط الأول» الذي كان يتحسس فيه طريقه، وسماه «يا طريق»، وقد تكلف هذا العمل قرابة 45 ألف جنيه - وكان رقمًا كبيرًا حينذاك - وتعاون فيه مع كبار الشعراء والملحنين، لم يحالفه الحظ، ولم يسمعه أو يسمع به أحد.

في ذات التوقيت، كانت زميلته في المعهد قد صارت معيدة، وحصلت على الماجستير بامتياز، وعلى الجانب الآخر كانت علاقة «عمرو» بالمعهد قد انتهت إلى غير رجعة، لكن القدر بدأ يبتسم له بعد سنوات من المعاناة، فحين خرج ألبومه الثاني في نهاية الثمانينيات «كسّر الدنيا»، وظلت مصر كلها تردد معه «من كام سنة وأنا ميال ميال».

 

3

عرف عمرو دياب طريق النجومية من خلال السهرات التلفزيونية، والأفلام السينمائية، ثم جاءت واحدة من كبرى نقاط التحول في تاريخه، وهو حفل افتتاح بطولة الألعاب الإفريقية الخامسة، الذي غنّى فيه عمرو باللغتين الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى العربية «بالحب اتجمعنا والدنيا هتسمعنا والليلة أول أعيادنا»، وبالفعل كان عيدًا لعمرو دياب.

وحصلت زميلته على درجة الدكتوراه، وصارت أستاذة في المعهد العالي للموسيقى، وصار زميل دراستها واحدًا من ألمع نجوم الغناء في الوطن العربي، فهو صار عمرو دياب، بينما ظلت هي تكتفي بأن تروي لطلابها في المعهد قصة صداقتها له.

هي نجحت وتفوقت وصارت دكتورة في المعهد العالي للموسيقى، وهو تم رفده وصار عمرو دياب المطرب الأشهر والفنان العربي الأكثر رواجًا، والنجم الذي حصل على عدد هائل من الجوائز العالمية، وله ملايين المحبين الذين جعلوه يحصل على جائزة أفضل مطرب في القارة الإفريقية في عام 2009.

وفي نفس العام، دُعي عمرو لحضور فرح نجل أحد أصدقائه «الذي كان رائدًا في مجال صناعة شرائط الكاسيت، ثم صار واحدًا من أكبر ناشري الصحف في مصر»، وحين وضع عمرو قدمه في الفرح، قام الجميع لمصافحته، والتقاط الصور معه، لكن فجأة اقترب منه رجل بدا كبيرًا في السن والمقام، وصافحه بحميمية، وقال له «مش فاكرني يا عمرو..؟ أنا خالد اللي كنت معاك في الفصل في مدرسة القنال في بورسعيد»، فابتسم عمرو ابتسامة عريضة، وبدا كأنه يتذكر الأيام الخوالي، وصافح خالد، وقال له مازحًا: «انت كبرت قوي يا خالد.. إوعى تقول إنك كنت معايا في المدرسة»!.

صدفة، لا تحدث إلا في الأفلام المصرية القديمة، لكنها حدثت ورأيتها، وكنت شاهدًا عليها، فخالد زميل المدرسة صار صحفيًّا وكاتبًا، وغطى الشيب رأسه، وبدت عليه بوضوح علامات الكبر، بينما كان الحديث داخل قاعة الفرح حول سؤال واحد «هوّ عمرو دياب بيصغر ولا بيكبر؟!».

 

4

صنع عمرو دياب لنفسه أسطورة خاصة، تفنن في أن تكون متفردة، حتى أن الأضواء صارت تلازمه أينما حل، وصار الضوء المصاحب لـ«عمرو» هو أهم ما يميزه.

وحين سُئل محمد منير عن الفرق بينه وبين عمرو دياب، أجاب: «عمرو اختار الطريق الأصعب، فقد اختار أن ينافس الجميع، وأن يظل على القمة في كل عام متفوقًا على كل نجم جديد، بينما أنا اخترت أن أكون بعيدًا عن المنافسة».

ولم يحد «منير» عن الطريق الذي رسمه لنفسه، ظل صوته هو البطل المحرك لأعماله، منذ أن التقى يوسف شاهين وطلب منه أوركسترا كاملة لتقف خلفه وهو يغني «حدوتة مصرية» واستجاب له «شاهين»، لكنه بعد أن سجل الأغنية حذف المخرج الكبير كل آلات العزف، واكتفى بآلة واحدة فقط لازمت صوت منير، ربما لأن صوته لا يحتاج إلى موسيقى، فقد ولد بموسيقى داخلية تغلف صوته.

لكنه لم يكتفِ بجمال صوته، بل اختار طريقًا لم يسبق لأحد أن سار فيه سواه.

فصوته لم يخرج من حنجرته فقط، بل خرج من جذوره، وعبر عن أصالته وأهله وصار صوتًا عاليًا وعالميًا لمجتمع لم يكن صوته مسموعًا رغم عذوبته وخصوصيته، وصنع «منير» طريقًا لم يسبق لأحد أن سار فيه سواه.

 

5

كان يمكن لمنير مثل كثيرين غيره أن يكتفي بجمال الصوت ويغني أي شيء، وهو يقدر أن يغني حتى عناوين الصحف، لكنه لم يفعل، بل اختار أن يذهب إلى كبار الشعراء أمثال صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي وعبدالرحيم منصور وسيد حجاب ومجدي نجيب وغيرهم.

وقد روى لي الخال «الأبنودي» - رحمه الله - بعض لمحات من علاقته بـ«منير» وأنه من أحب الناس والأصوات إلى قلبه، ومن أصدق من عبر عن كلماته رغم قلة عدد الأغاني التي كتبها له، ولعل أكثر أغنية أحبها «الأبنودي» بصوت «منير»، هي أغنية «يونس» ولها قصة.

ففي أحد الأيام، ذهب منير إلى الملحن محمد رحيم، وقال له: «سمعَّني عندك إيه؟»، فردّ عليه رحيم: عندى حاجة بتقول «يا بنات الهلالية.. يا بنات الهلالية».

فقاطعه منير قائلًا: «لو عايز تتكلم عن الهلالية يبقى لازم نروح لدكتور الهلالية الرجل اللي لفّ 30 سنة يجمع السيرة الهلالية».

وذهب منير بصحبة رحيم إلى الخال ليطلبا منه أن يكتب أغنية تحمل بين ثناياها السيرة الهلالية، فكتب الخال يقول:

جاي من بلادي البعيدة

لا زاد ولا مَيَّة

وغُرْبتي صاحْبتي بِتْحُوم حواليّا

وانتي تقوليلي بحبَّك

تحبِّي إيه فيَّا

وده حب إيه ده

اللى من غير أي حرية

أحب «منير» الخال قبل أن يلتقيا بسنوات طويلة حين كان طفلًا يسمع أغنية «يا عيني على الولد» وبكى عليها، وارتبط بها، وحين صار مطربًا سعى إليه، واستمرت العلاقة بينهما منذ نهاية الثمانينيات وحتي يوم رحيل الخال، ومازلت أذكر ذلك اليوم حين أصر «منير» على السفر إلى الإسماعيلية لحضور الجنازة، وشاهدته يومها، وهو لا يستطيع أن يسير على قدميه من الحزن واستند على اثنين من أصدقائه حتى يظل يسير خلف النعش من المسجد إلى المدفن.

فلم يكن «محمد منير» بالنسبة لـ«الأبنودي» مجرد مطرب، ولم يكن الخال بالنسبة لـ«منير» مجرد شاعر، فكلاهما جاء من الجنوب مُحملًا بإنسانية، وعذوبة، ومخزون ثقافي، ولون مختلف لا ينافس أحدًا، ولا أحد ينافسه.

ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38