رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
حسام مصطفى إبراهيم
حسام مصطفى إبراهيم

مَن دَخلها فهو آمنٌ

الأربعاء 31/يوليه/2019 - 12:56 م
طباعة

تبدو الكتابة لعبة في وقت من الأوقات، ثم تتحول إلى مخدّر قوي للهروب من الواقع، قبل أن تصبح فعل حياة، يؤدّي غياب ممارستها لتشوّش كل شيء أمامك وإحساسك بالضياع، ويؤدي كمالُ حضورها لانفصالك عن الواقع وانغلاقك داخل ذاتك، ففي حضورها وغيابها تُكابد، لتظهر أمامها بمظهر المطيع الملتزم القانت في المحراب!

تبدو الكتابةُ غانيةً لعوبًا، تُدنيك حتّى تظنّ أنها حلالُك وملكُ يمينِك، تُقيم الأفراح وتستعدّ لليالي الملاح، فتُقصيك عنها حتّى تظنّ أنكما غريبان التقيا مصادفة في قطار، ولن يلبث أحدكما أن ينزل في محطة مختلفة، وتُنكّس الأعلام وتفضّ السرادِق وتُلملم الزينات، فتعود لتلوّح لك من بعيدٍ فاتنة مُغوية في صحراء الرتابة والعاديّة، فتُلقي ما بيديك وتتبعها مُمّنيًا النفس بأنهار اللبن والعسل، فتختفي كأن لم تُخلق بعد، ولم يرد ذكرها في كتاب أرضي أو سماوي!

تبدو الكتابة لأولئك الذين فقدوا أوطانهم مكانًا يعيشون فيه، كل زقاق حرف، وكل شارع كلمة، وكل إنسان عبارة، وكل صبح أو ليل فقرة في نص بديع، وكل مدينة قصة قصيرة وكل أمّة رواية تتحدى الغياب ومحاولات طمس التاريخ وفرض بطولات وهمية، الكتابة بوق من لا بوق له، وأقدام وأيدي وأصوات من فقدوا أطرافهم وحُبست أصواتهم وظن الآخرون أن أيديهم أضحت مغلولة، وهي بالكتابة أطول من الزمن وأقوى من تعاقب السنين.

وعندما سئل "إرنست هيمنجواي" عن أكثر ما يخيفه، قال: "ورقة بيضاء"، صاحب “العجوز والبحر” الذي سبق له أن نجا من الرصاص عندما كان يعمل مراسلا حربيًا، وصارع ثورًا في إسبانيا، وخرج في رحلة صيد للحيوانات المفترسة في إفريقيا، ظل هاجسه الأكبر، ورقة بيضاء تتحدى قدرته على التعبير!

الكتابة عموما حالة "عفريتية" من الشغف والوله والاستبصار والجنون والحمق والرزانة والفقد والحلول والشجاعة والجبن والانتصار والخذلان. مَن دَخلها فهو آمنٌ، ومن هجرها وعاد إلى خشبية الحياة فهو في محنة حتى يثوب إلى رشده.

بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38