رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
هيثم خيري
هيثم خيري

الأبواب الخلفية لمصر

الإثنين 29/يوليه/2019 - 10:15 م
طباعة

الكل يتحدث إما همسًا أو صراخًا وجلبة، ولا يستطيع الغرباء إقناع أنفسهم أن الناس يمكنهم أن يتناقشوا دون انفعال.. كل من فى الشارع يصيح بصوت عال بطبقة «السوبرانو».. ها هو فلاح يزعق متوسًلا الخفير الذى يقوده إلى الكراكون: «فى عرضك.. فى عرضك يا سيدنا». يتبعهما نساء يولولن: «يا خراشى يا حسرتى.. يا ندامتى».

أما الصبية، فقد فتحوا الطريق لموكب يركب فيه «باشا» كبير، وقد حملوا حزم القش لإشعال المشاعل حوله لتهيئة الطريق له مقابل «بقشيش»، بينما يصيح جندى مشاة يركض لاهثًا أمام عربة الباشا حاملًا مشعلًا ضخمًا: «إوعى يمينك.. إوعى شمالك.. أوعى رجلك.. أوعى ضهرك.. صلى على النبى ووسع الطريق».

فيرد المسلمون الطيبون: «اللهم صلى وسلم عليك يا نبى».

ينكمش بعض الناس ملتصقين بالجدران لتجنب الضرب بالعصا، وآخرون يندفعون عبر الطريق وكأنهم يتعمدون الوقوع فى الخطر أو مقاومته، ويضرب صبى شقى بغل الجندى بجريدة نخل سميكة، فينهره الجندى بأعلى صوته قائلًا:

ـ «يا عرض.. يا قواد.. يا يهودى.. يا ابن الأعور.. لعنة الله عليك».

ويغني بائع الحمص وهو يهز بضاعته سيئة المذاق لتحدث خشخشة فى سلته: «يا حمص.. يا لب.. يا ملهلب». ويصيح السقاؤون وهم يحملون قربًا مليئة بالماء: «وسع الطريق.. وحد الله.. ميه حلوة.. انعش روحك».

وينفعل يوناني وقح لمجرد لمسة خفيفة من عكاز رجل عجوز قائلًا: «يلعن أبوك.. يا أخو القحب...» وتغنى امرأة عمياء وهى تضرب عكازيها أحدهما بالآخر برفق: «القبر ضلمة والحسنة تنوره».

هذا المشهد هو أحد الصفحات المفعمة بالحياة لأحوال مصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فى منتصف القرن الـ19، كتبها رحالة عالمى هو الأيرلندى رتشارد بيرتون، فى رحلته لمصر سنة 1853، وهذا التاريخ تحديدًا يعنى الكثير جدًا.

الوقت هو أواخر عهد عباس باشا الأول، وهذا يعنى أن مصر تشهد أيامًا من الانفتاح بعدما كانت تحكمها قبضة محمد على باشا، المتوفى قبل 5 سنوات فقط من هذا التاريخ، وهذا يعنى أيضًا أن الدول الأوروبية نجحت فى خطتها لكسر سياسة الاحتكار التى انتهجها محمد على، ورفع القيود عن الواردات الأوروبية لمصر، وإضعاف الجيش المصرى، وبدأت المنتجات الأجنبية تغزو الأسواق المصرية منذ عام 1840، وتوسع الفلاحون لأول مرة فى ملكية الأراضى التى ظلوا لعشرات السنين يزرعونها لصالح الدولة.

هذه بعض ملامح العصر، فمن بيرتون هذا؟.

يذكر الدكتور عبدالرحمن عبدالله الشيخ مترجم كتاب «رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز» وصاحب المقدمة، أن بيرتون ولد سنة 1821 من أصول إنجليزية وأيرلندية، وقد نشر 43 مجلدًا عن رحلاته وترجم إلى الإنجليزية من العربية والفارسية وغيرها ثلاثين كتابًا بما فيها النص الأصلى لألف ليلة وليلة. أتقن 25 لغة وأربعين لهجة، وبرع فى الفرنسية والإيطالية واليونانية بالإضافة لباقة من اللغات الشرقية. التحق بجامعة أكسفورد وتركها ليعمل ضابطًا فى الجيش البريطانى فى الهند أثناء خوضه الحرب ضد باكستان «السند آنذاك».

 

اكتشاف الحجاز

زار الرجل مصر وهو فى طريقه إلى الحجاز، وهنا يظهر السؤال: لماذا زار الحجاز فى موسم الحج؟.

يجيب بيرتون بنفسه بأنه عرض خدماته على الجمعية الجغرافية بلندن بأن يزيل الغموض حول المناطق الشرقية والوسطى من شبه الجزيرة العربية، فكان له ما أراد وأتيحت له فرصة السفر إلى الحجاز عبر مصر.. وفى مصر سيمكث الرجل الداهية لمدة عام تقريبًا يدرس المجتمع وطبائعه، يداوى المرضى بوصفات شعبية عرفها بخبرته الواسعة من رحلاته السابقة، ويتلون كثيرًا حتى يستطيع الدخول إلى أراضى الحجاز التى لم تكن تفسح المجال للغرباء من أوروبا، خاصة إن كانوا من غير المسلمين.. وسيكون له ما أراد وخطط..

جهّز الرحالة الأيرلندى ملابسه الشرقية قبل مغادرة لندن، كما أعطى كل أغراضه طابعًا شرقيًا، وفى صباح الثالث من إبريل سنة 1853 استقل باخرة فاخرة متجهة إلى الإسكندرية، وبعد 14 ليلة من الإبحار هبط من الباخرة مبتهجًا بعد أن نجح فى إبعاد تطفل «العامة عنه» بفضل لحيته ورأسه الحليق ـ كما يقول.

الشرق الكسول

توجه من منطقة رأس التين بالإسكندرية إلى ترعة المحمودية، وهناك استقر فى فيلا تمثل نقلة مفاجئة بين الحياة ذات الإيقاع السريع والبطىء، يصف الرجل جلسته هذه فيقول: الآن نجلس صامتين بلا حراك نستمع إلى ألحان الشرق الرتيبة، ونسائم الليل الرقيقة الباردة تمر عبر سماوات متلألئة بالنجوم وعبر أشجار مورقة فتحدث حفيفًا يثير الأشجان. هذا هو الكيف والمزاج العربى، السعادة الحقيقية فى المعانى المجردة، الكسل المصحوب بالسرور، والسكون الحالم وبناء القلاع فى الهواء.. ثم يصف الإسكندرية التى كانت ذات يوم عاصمة ذائعة الشهرة، بأن كيانها مقلوب، صخورها الجافة مبتلة ونافوراتها جافة ومسلة كليوباترا لا هى مسلة ولا علاقة لها بكليوباترا وحمامات كليوباترا لا حمامات فيها على الإطلاق.

وعملية الشراء فى هذا البلد تحتاج للصبر، فهى تعنى الجلوس على دكة التاجر والتدخين واحتساء القهوة، وتمرير حبات مسبحتك بين أصابعك لتظهر أنك لست عبدًا لا دين له، والحقيقة أنك تفعل ذلك لتدفن صبرك وتبارى به صبر عدوك التاجر.

الشيخ عبدالله

عمل الرحالة فى الإسكندرية لمدة شهر كطبيب، ثم تقمص دور درويش متجول وغير لقبه من ميرزا إلى «الشيخ عبدالله», بعدما أدرجه أحد الرجال المبروكين فى طريقة صوفية تدعى «القادرية»، وبعد فترة من التدقيق ترقى إلى درجة رفيعة فى الطريقة هى «المرشد».

يقول بيرتون: ليس هناك شخصية فى العالم الإسلامى ملائمة للتنكر مثل الدرويش، فهى شخصية تتقمصها كل الطبقات والأعمار والمذاهب، يتقمصها الشخص ذو المقام الرفيع، ويتقمصها الفلاح الذى وصل مستواه للحضيض، ويتقمصها «الصايع» الذى أرهقته الحياة، والمبتلى بمرض بغيض والذين يتسولون الخبز من باب إلى باب.

وحتى يعبر بيرتون إلى الأراضى الحجازية، كان لابد أن يستخرج جواز سفر نسى أن يقدم عليه فى بريطانيا، فاضطر لاستخراجه من الإسكندرية، فأنفق مصاريف كثيرة من أجل ذلك، وقد حصل من القنصل البريطانى فى الإسكندرية على شهادة تفيد بأنه من الرعية الهندية البريطانية، وأن اسمه عبدالله، وأنه طبيب يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، ودفع دولارًا مقابل هذه الشهادة، لكن الجواز لا يجيز له السفر دون توقيع الضابط المسؤول فى مصر.

وفى اليوم التالى توجه إلى الضابط الذى أحاله إلى محافظ الإسكندرية، وعلى بابه انتظر ثلاث ساعات حتى تفضل أحد الموظفين بإخباره بأن الجهة التى يتعين عليه الذهاب إليها هى ديوان الخارجية، وضاع اليوم عبثًا!.

يقول الرجل: فى صباح اليوم الثالث بدأت بالذهاب إلى القصر فى رأس التين.. مبنى ضخم كقوقعة على شكل متوازى الأضلاع يضم كل المكاتب فى فوضى هائلة، ونظرت إلى الجدران المطلية باللون الأبيض الباهت والأشجار المتربة التى تكافح لتبقى على قيد الحياة وقررت الاستمرار.

عليه أن يتعامل مع الموظفين المسؤولين بإحدى الطرق الثلاث: إما الرشوة أو التهديد أو الإزعاج والإلحاح والمثابرة بمداومة الحضور مصحوبًا بالمعارف والوسائط، وهذا الأسلوب الأخير يبرع فيه الفقراء، كما يذكر، وراح يكرر استفساره يوميًا ويواجه بالكلمات نفسها: «روح امشى من هنا».

يقول بيرتون: ولأننى ظللت واقفًا هذه المرة أمام المسؤول أقلب الورقة فى يدى ناظرًا إليه بذلة وإلحاح، فقد أتانى الجواب بصوت عال: «روح يا كلب». فانسحبت عندئذ مبتعدًا ببطء وغضب مخافة أن أتعرض للضرب بالكرباج، فاللحم الإنجليزى لم يألف ذلك!.

جرب الرجل بعدها 12 محاولة أخرى، جرب مع سائقى الخيول والكتبة والصبية الأشقياء والتافهين ورجال الشرطة بلا جدوى، وأخيرًا قدم لأحد العساكر حفنات من دخان «التمباك» ووعده بخمسة مليمات إذا أنهى هذا «المشوار»، فأنهى العسكرى أوراقه فى يومين.

 

نيل القاهرة

كانت الخطوة التالية أن يتوجه إلى القاهرة عبر مركب نيلى استغرق 14 ليلة حتى وصل إلى بولاق الضاحية القديمة المتدهورة، كما يصفها، فيقول: «لم يكن المنظر مثيرًا، فقد بدا النيل كمشاهد السند التى ألفتها، نفس الصباح الضبابى، ونفس وهج الظهيرة والرياح الساخنة والغروب الحار وحرارة المساء، ونفس المياه العكرة والقنوات المائية الضحلة التى تحفها شواطئ رملية، ذات المنزلقات الترابية المنهارة، وعلى الشاطئين أرض ملحية تتلألأ ويلمع بريقها، وتناثرت هنا وهناك قرى شيدت بالطين وأكواخ متفرقة وأبراج حمام، ويختبئ صبية داكنو اللون خلفها ليقذفوا الأحجار على الطيور التى تصوصو بين جريد النخل الأخضر وأشجار الطرفاء والسنط والذرة والتمباك وقصب السكر والقنب، وخلف الشريط الضيق على شاطئ النهر تقبع الصحراء بما لا يحصى من أهرامات صممتها الطبيعة، والفلاحون جلودهم داكنة كالشيكولاتة وثيابهم زرقاء، والنسوة يحملن أطفالهن فوق ظهورهن، والجرار فوق رؤوسهن، وينام الرجال فى الظل أو يتبعون المحراث الذى يحتمل أن يكون أوزوريس أول من وضع يده عليه، أما الحيوانات فجميعها عجفاء هزيلة: الجمال الجربة والجواميس الملطخة بالطين والحمير البائسة وابن آوى المتسلل وكلاب كالثعالب».

استقر الرجل فى خان بمنطقة الجمالية، وهناك بدأ يمارس الطب.

ثم يتحدث بالتفصيل عن حياته مع المرضى فى ذلك الزمان فيقول: لاكتساب السمعة الطيبة يجب عليك أن تبدأ كطبيب بالجلوس مع البواب ذى العينين «المعمصتين»، فتقطر له فيهما قطران من نترات الفضة وأنت تهمس فى أذنه بمعلومات سارة عن أنك تعالج الفقراء مجانًا، ويشفى البواب فتنتشر أقواله عنك طولًا وعرضًا فيزدحم بابك بالفقراء، ومن ثم يأتيك الأغنياء على السمعة. والأطباء الأوروبيون يشكون من أن مرضاهم الشرقيين لا يعترفون بالجميل، وهذا طبيعى فإن أنقذت مريضًا من الموت يسألك كيف يحافظ على حياته بلا أدنى إحساس بالامتنان.

وإذا زرت مريضًا فى منزله يجب أن يعين لك حمارًا تحت أمرك، وعندما تصل إلى سلم البيت تصعده بوقار وهدوء، وتحيى الحضور بقولك «السلام عليكم»، ثم تقول مخالفًا الحقيقة: «لا خطر، ما فيه إلا العافية»، حتى وإن كان المريض يحتضر، فيكون الرد «الله يعطيك العافية». وتطلب أى طلب خشن فتجاب حتى ولو كان شيشة وفنجانًا من القهوة، ثم تتجه للمريض الذى يمد ذراعيه إليك ويسألك عن سر الألم ثم تفحص لسانه وتتحسس نبضه، وتترك المريض يملأ الوقت بالكلام، وبعد سماع قائمة طويلة بكل علله تبدأ أنت فى اكتشافها وكأنك تسير على طريق ملىء بالحصى وبذلك ينهال عليك المديح.

والشرقيون يرغبون فى استدعاء الطبيب ليعرفوا قيمة نقودهم، كما أنهم يتصورون أن العلاج القاسى المؤلم يؤدى للشفاء، والمصرى فى الإسكندرية يلجأ إلى بعض شيوخ العرب لكيه على رأسه كعلاج من الحمى.

 

القاهرة في رمضان

أول ما لفت انتباه صاحبنا فى هذا الشهر الفضيل أنه يجعل المسلمين غلاظ الطباع غير متسمين باللطف، بسبب الامتناع عن الطعام والشراب والتدخين، طوال 16 ساعة وربع، رغم أن الطبقة العليا من الترك تفطر عادة وتتجاوز الأحكام الشرعية. وتراعى الطبقات الدنيا والوسطى شعائر هذا الشهر بإخلاص شديد رغم قسوتها، فلم أجد مريضًا واحدًا اضطر ليأكل حتى لمجرد الحفاظ على حياته رغم المعاناة الشديدة بسبب هذا الحرمان الشامل، بل وحتى السفلة والأشقياء قد تركوا السكر والعربدة واتجهوا للصوم والصلاة، والأثر الرئيسى لهذا الشهر الفضيل على المؤمنين الحقيقيين هو ذلك الحزن الوقور الذى يغلف طباعهم، فأصوات المسلمين الصائمين قد اكتسبت بحة ونغمة كصرير الباب، خاصة بعد العصر.

وقبل رمضان لا تكاد تمضى عشر دقائق فى حى القاهرة دون سماع منازعات عنيفة، فالكراكونات مليئة بالسادة الأزواج الذين ضربوا نساءهم ضربًا مفرطًا، كما أنه ملىء بالنسوة اللائى خربشن أزواجهن وعضضنهم بل وجرحن أبدانهم، والمساجد مليئة بالناس العابسين المتذمرين يتربص كل منهم بالآخر مع أنهم يسيرون فى طريق الله، وفى الظل عند الجدران الخارجية للمسجد يسلى الأطفال الذين طردوا منه أنفسهم أو يتناسون بؤسهم بانخراطهم فى لعب خال من الروح، وفى الأسواق والشوارع تواجهك وجوه شاحبة زائغة البصر وكأنها فى محنة كبيرة.

فى غير رمضان تجد البقال عادة يقول لك إذا فاصلت معه «يفتح الله»، أما فى رمضان فيطلب منك بحدة ألا تقف مضيعًا الوقت. وفى هذا الشهر لا يدرس الطلاب، ولا إنتاج فيه.

وحين ينطلق مدفع الإفطار من القلعة يجلجل المؤذن بأذانه الجميل، ويصيح الناس الفطار الفطار، وتعم الفرحة البيوت، وتكاد تشرب قلة كاملة من الماء عن آخرها.

 

مساجد القاهرة

لا توجد مدينة شرقية تقدم نماذج لعمارة المساجد مثل القاهرة، العامرة بالمساجد الشامخة وبعضها مخرب وكثير منها حديث، وأكثر من الجديد تلك المبانى الخربة التى ضربتها الزلازل، ومآذانها تضارع فى ميلها برج بيزا.

يمضى الرحالة الأيرلندى فى وصفه للمساجد فيقول: تتيح مقارنة العمارة فى العهود المختلفة لملاحظة كيف أن كل دولة قد بنت مساجدها ومآذنها بإطلاق اسمها عليها، كما تتيح هذه المقارنة متابعة التدهور فى فن العمارة حقبة حقبة طوال ألف ومائتى عام حتى أيامنا هذه، وهو أمر ليس من المعتاد أن يهتم به الشرقيون، فجامع أحمد بن طولون بسيط وفخم فى الوقت نفسه، ويتسم بالعظمة وبه خصوصية فى بعض تفاصيله، ولايزال أحد صفوف الأعمدة الأربعة باقية، أما أروقة المسجد الأخرى فمسورة ويقطنها الناس، أما مسجد السيدة زينب الذى أسسه مراد بك فيظهر بعض شواهد التخلف فى الذوق المعمارى.

إلى هنا سأضطر للتوقف معكم لضيق المساحة والوقت، ونستكمل رحلتنا مع بيرتون متوجهًا إلى الأراضى الحجازية والمدينة المنورة والكعبة المشرفة.

بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38