رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
بشرى عبد المؤمن
بشرى عبد المؤمن

رجاء عليش.. بقعة ضوء أظهرت قبح العالم

الثلاثاء 25/يونيو/2019 - 06:06 م
طباعة

في عام 1979جلس الكاتب والروائي المصري المغمور"رجاء عليش" في سيارته، ومسك مسدسه ووضع الفوهة في جبهته ثم انتحر، وترك جوابًا للنائب العام يحتوى على اعتراف صريح بالانتحار حتى لا تحدث تحقيقات. وقال عليش في رسالته: "عشت هذه السنين الطويلة وأنا أحلم بالانتقام من أفراد المجتمع الذين أفلحوا في أن يجعلوني أكفر بكل شيء".

عاش "عليش" وحيدا دون أي قبول من مجتمعه، ودون أن يتزوج بالطبع، فقد كان الرفض القاطع يقابله كلما تقدم للزواج بإحداهن. فقال "عليش" ساخطًا: "إحدى ميزات الوسامة الشديدة أن يصدقك كل الناس بينما أنت تكذب، أما الإنسان القبيح المكروه من كل الناس فإن أحدًا لن يصدقه حتى ولو قال الصدق، إنه متهم من كل الناس بالكذب، مشكوك فيه دائمًا لأنه غريب وقبيح".

كان "عليش" يشكو دائما من قبحه ومن نفور النساء منه وأكثر ما آلمه تلك التعليقات الجارحة التي تنال من هيئته وقصر قامته؛ فأصدر كتابين:"لا تولد قبيحا" ورواية "كلهم أعدائي" التي كتب على ظهرها نصا يظهر مدى عذاباته وآلامه، وربما يظهر أيضا نيته المبيتة على الانتحار فيقول: "ارقد أيها القلب المعذب فوق صدر أمك الحنون واسترح إلى الأبد، دع أحلامك الميتة تتفتح كزهرة تعيش مليونا من السنين، أنت أيها الملاح التائه في بحار الظلمات البعيدة، لقد جئت إلى أمك الأرض لتعيش في حضنها إلى الأبد، ألقيت بمراسيك في المياه الدافئة وأمنت من الخوف، نفضت عن شراعك الثلج والبرودة وأيقظت الشمس في قلبك واسترحت إلى الأبد، نم هانئًا سعيدًا يا من لم تعرف الراحة في حياتك، أحس بالأمن يا من عشت دائمًا بعيون مفتوحة من الخوف.. الموت أبوك والأرض أمك والسلام رفيقك والأبد عمرك".

هكذا اعتبر "عليش" نفسه صاحب عاهة واعتبر نفسه قبيحا، المجتمع يرفضه، وإن كنا -كما يقول البعض-  أمام لحظة خلل نفسي وصلت به إلى مرحلة من العنف الشديد مع المجتمع فمن المؤكد أننا كمجتمع ساهمنا بدور ما في دفع هذا الرجل لمزيد من الاكتئاب ودفعنا هذا الرجل إلى الانتحار.

"عليش" كان متعلقا كثيرا بأمه التي كانت ملاذه ؛ فهى وحدها من كانت ترفع من معنوياته، فلما ماتت كتب نصا قصيرا عذبا إليها في كتابه "لا تولد قبيحا"  حيث يقول فى إهدائه لها "إلى الشمس التي غابت فأظلم العالم، وتساقط الجليد فغطى الأرض ودفن نباتات المستقبل الصغيرة الخضراء. إلى الصدر الحنون الذي أرحت فوقه رأسي المتعبة، المثقلة بأحزان حياتي، وعشرات الأحلام، والأفكار الكبيرة، إلى القلب الذي أحبني عندما كرهني العالم، قَدرني عندما احتقرني العالم، إلى أصابع اليد الممدودة بلا ملل، وفي عطاء غير محدود، والتي تشبثتُ بها طوال حياتي فمنعتني من الغرق في المستنقع الكبير من حولي، إلى العينين الحنونتين العاقلتين اللتين لم ترياني كأضحوكة كبيرة، بل كإنسان له قلب وعقل، قطعة من الشمس تحجبها السحابات الكثيفة، لكنها ستكتمل في المستقبل، عبقري يَتخلق وسط تيارات عنيفة من الغباء واللامبالاة، إلى الدفء الوحيد في حياتي، إلى الابتسامة الوحيدة الحنون في حياتي، إلى ثورة العقل الوحيدة في عالم مجنون مخيف، إلى الذكرى الخضراء الطيبة التي لن تموت في حياتي، إلى أمي أهدي هذه الصفحات".

هكذا عاش ومات "عليش" برأس متعبة، وحزن دائم، وعشرات الأحلام التى لم تحقق، والأفكار الكبيرة التي لم تُصَغ، يلجأ فقط إلى أمه التي كانت بمثابة صمام الأمان الذي كسره الموت؛ ماتت أمه فلم يصمد، بل ضعف وقرر الانتحار. وبالفعل أقدم "عليش" على الانتحار فور انتهائه من تأليف روايته "كلهم أعدائي"، وفعلها رجاء ومات.. مات الرجل الذي لم يكن قبيحا ليترك وراءه قبحا آخر يليق بهذا العالم!

 

 

بشري عبد المؤمن

 

ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38