رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
بشرى عبد المؤمن
بشرى عبد المؤمن

من "الرجل العاري" إلى "السيدة صاحبة الكلب"

الإثنين 27/مايو/2019 - 06:30 م
طباعة

بعد مرور ما يقرب من 115 عام على رحيله، لم يتوقع الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف أن تأتيه رسالة من القاص والروائي المصري عادل عصمت، وفي ظني أن "عصمت" عندما قرر أن يكتب لـ "تشيخوف" فإنه لم يتحدث إليه باعتباره واحدا من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ وإنما باعتباره الأقرب إليه.

في البداية لم يُخفِ "عصمت" خشيته من أن تقابل رسالته بسخرية، فقد توقع من "تشيخوف" ضحكة قصيرة تتبعها سعلة خفيفة ثم نظرة ماكرة ببريق العينين، لكن "عصمت" سمع صوتا ما بداخله يقول له "لا بأس، لا بأس من اختلاق موقف من أجل التواصل مع خبرتي بصوتك المطوي في أعمالك وحسك بالعالم الذي تركته لنا في كلمات. لا بأس من اختلاق موقف من أجل الاقتراب من هذه الخبرة التي كان يمكن أن تموت معي دون أن أنتبه إليها".

ولكى يتجنب "عصمت" سخرية "تشيخوف" قال إنها محاولة خيالية جاءت من أجل التواصل مع مشاعره تجاه "تشيخوف" الذي تعلق به منذ صباه، فيقول "عاصرت صوته وأخيلته وعايشت البشر الذين تركهم منحوتين بالكلمات في طيات الكتب، وبالأصح أتواصل مع ما تركته فيَّ تلك القصص وما تركه صوتك من أثر في الروح".

بدأت القصة في عام 1977، إذ كان "عصمت" وقتها في السابعة عشرة من عمره، طالبا في مدرسة طنطا الثانوية للبنين، عندما قرأ هذه الكلمات التي كتبها تشيخوف في قصته "السيدة صاحبة الكلب": "والبحر يبعث إليهما بصوت خريره الرتيب ليحدثهما عن السلام والنوم الأبدي الذي ينتظرنا جميعًا، فقد كان البحر يزمجر على هذا النحو قبل أن توجد أية يالتا وأية أورياندا، وهو يزمجر الآن وسيواصل زمجرته الرتيبة غير العابئة هذه نفسها بعد أن نفنى جميعًا. ولعل هذا الاستمرار وهذه اللامبالاة بالحياة والموت هما اللذان يكمن فيهما سر خلاصنا الأخير وسر تيار الحياة على ظهر كوكبنا وسر حركته الدائبة أبدًا نحو الكمال".

خط "عصمت" تحت تلك السطور، ثمة ما جذبه فيها، لكن بالرغم من ذلك رآها عجيبة على نحو ما، "فالقصة ليست محبوكة وليست على غرار قصص الحب التي تعودت على معايشتها في مسلسلات الراديو أو أفلام السينما أو قصص إحسان عبد القدوس، الحبيبان لا يتبادلان قبلة الحب في نهاية القصة بعد أن تخطيا كل العقبات في طريق حبهما، بل تنتهي عندما يتنبهان إلى العقبات التي تحول دون عيشهما معًا".

كانت القصة عجيبة وغير جيدة من وجهة نظر ذاك الصبي، الذي فكر في قراءتها عدة مرات لكن تعترضه تلك الفقرة التي خط سطورها فيستعيد انطباعه وينصرف، ولسنوات غدت تلك الفقرة هى القصة ذاتها بالنسبة للصبي، تستعيده إن لم يستعدها في عزلة عن انتباهه.

الآن يعترف ذلك الصبي الذي اقترب من الستين أنه "وعلى كثرة ما قرأت من قصص الحب، تظل هذه القصة أصدق قصة حب صادفتني وأكثرهن توافقًا مع ما أعرف".

عصمت أراد في رسالته أن يخبر تشيخوف بأن أعماله "لا يسري عليها القدم، لا تبلى أو تفقد بريقها، مهما مر عليها من زمن، مثل أساطير أزمان الإنسان الأولى، نتعب منها ونظن أننا عرفنا تفاصيلها وتشبعنا بها، ونبتعد عنها فترة من الزمن ويدفعنا شوق يثيره مشهد في الحياة أو فكرة نود التيقن منها، فنعود إلى أعمالك مرة أخرى، لنجدها تلمع من جديد بريقًا أخاذًا".

يقر عصمت بأنه لولا ما تركه تشيخوف وزملاؤه من المصورين والموسيقين والكتاب والشعراء لما أصبحت حياتنا على ظهر الكوكب محتملة. وقبل أن يبعث "عصمت" سلامه -الذي أتمنى ألا يكون الأخير- لروح "تشيخوف" التي نعتها بالرفيقة، والتي بدت في الخطاب أنها كذلك وربما أكثر، قال موجها حديثه لتشيخوف: "اسمح لي أن أبعث إليك بورود المحبة، وكل ما أتمناه أن لا أكون قد غاليت في مشاعري أو تعبيري حتى أتجنب نظرتك الماكرة وبسمتك الساخرة".

 

 

بشري عبد المؤمن

 

القاهرة الطقس
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38