رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
ads
ads
عمر عويس
عمر عويس

عيد ميلاد تحية (قصة قصيرة)

الإثنين 27/مايو/2019 - 06:28 م
طباعة

تحسس عنقه بشيء من الحنان والارتباك وأمسك كتفيه غير مبال بالماء والطين وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة، إنه هو .. لا يوجد أب يتوه عن فلذة كبده، لو كان عظاما في التربة أو بهلوانا في السيرك لن يتوه أبدا عن طلًة ولده ..

- تعرفه ده يا حاج ؟

- ..................

- يا حاج ، تعرفه ؟

- لأ معرفوش ، مش من البلد يا بيه .

قالها وانصرف دون زيادة .. قالها وانصرف في اتجاه بيت تحية .

اليوم عيد ميلاد  تحية ..

من المستحيل أن تجد من يهتم بعيد ميلاد قروية بسيطة أتمت الخمسين ومازالت تعيش في تجاهل تام لكافة الصراعات المقبضة التي تملأ العالم من حولها .. لكن تحية وأنا أمر مختلف ، إن تحية لا تبغي من الدنيا سواى وكل ما يشغل بالي هو تحية ، هل سمعت من قبل عن قصة حسن ونعيمة؟

إذا كان جوابك بنعم فأنت وضعت يدك علي سرنا الصغير، قصة الحب التي هزت قريتي من ثلث قرن تقريبا وجعلت منا -وقتها- حديث أهلها وسلوتهم، منهم من كان يتحدث عن نظراتنا المختلسة أو لقاءاتنا السرية ومنهم من قال إن الفراق يزيدنا إصرارا علي العيش معا وأقسموا أن لهفتنا ستستمر..

لم يتغير شيء بيننا إلي وقتنا هذا يا زوجتي العزيزة، بين نظرات الدفء الأولي ونظرة عينيك الصبورة الآن لم يتغير شيئا فما بيننا هو ما يعيش من قصص الحب وليس الحب .. لماذا عاشت قصتي مع تحية؟

لأن -ببساطة- الزمن لا يذكر قلبين أحبَا بعضهما في ظروف خالية من الفقر أو الهجر أو حتي الحرب ، سيَطلق عليه حب لكنه لن يذكره.

غريب حبك هذا يا  تحية، حرمني من الإحساس وهو متعة الإحساس.. جعلني أغلٍب العشق علي الأبوة رغم انتظاري إياها لخمسة عشر عاما كاملة، أتذكرين لهفتي عليك يوم الولادة وعدم سؤالي عن صحته - حتي إنك عاتبتني علي ذلك ضاحكة؟

أتذكرين طفولته وصباه الممتلأين بالمشاكل والعقوق؟ أتذكرين هجره المستمر لنا ونعته لي بالعجوز المخرف؟

سامحته لأنه منك ، بل وخرجت أبحث عنه كي لا أري دموعك.

أسير الآن يا  تحية  في أطراف قريتنا دون هدف ، لم يعد هناك حجر إلا وفتشت تحته ولا صديق إلا واستجوبته عن ولدنا.. هل أبلغ الشرطة؟ إنه معتاد الغياب لكنه دائما ما كان يعود بعد نفاذ ما معه من مال، فلماذا لم يعد إلي الآن؟

أصل إلي الترعة الفاصلة بين قريتنا والطريق السريع، يبدو أنني ابتعدت كثيرا عن البلدة وكذلك أصبح بيني وبين الليل دقائق قليلة ولم أصل لخبر بعد. هناك أضواء بعيدة دوًارة وخافتة، غالبا سيارات تخص الشرطة لكن لماذا تقف سيارات الشرطة علي جانب الترعة هكذا؟

أقترب فأجد أناس بالزي الرسمي يلتفون حول شيء ملقي أمامهم لكنني لا أميَز ما هو، أقترب أكثر وأحاول منع قلبي من الإنقباض أكثر عندما سمعت قائدهم يهتف:

- إزاي محدش عارف يتعرًف ع الجثة ؟

ثم أشار ناحيتي وأكمل :

- هاتلي كده الراجل اللي هناك ده شكله من أهل البلد

اليوم عيد ميلاد  تحية  لذا يجب أن يكون يوما سعيدا.

إن الحديث يطول عن قصتي مع تحية لكن ضع في بالك دائما أن إحساسي هذا لن يصل إليك إلا إذا كنت قريبا مني أو علي الأقل من أهل القرية. ستتعجب من عودتي للبيت داعيا الله في كل خطوة ألا يصل الخبر إليها، تجدني متماسكا لا أرتجف وأملك من رابطة الجأش ما يكفي وهي تقابلني أمام البيت بوجهها المليح وشعرها المنسدل تسأل عن الولد.

- حلٌفتك بعضم التربة ، عايش ولا مات؟

- ................

- ساكت ليه؟

- يعني لو مات هرجع مخصوص أفكرك بعيد ميلادك .. كل سنة وانتي طيبة يا  تحية .

 

ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38