رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads

كوبري «أبو السباع» يرحب بكم!

الأحد 12/مايو/2019 - 01:41 م
الطريق
هيثم خيري
طباعة

قصة بناء جسر قصر النيل.. الذي ربط أرض جزيرة بالقاهرة

كل من كان يمر على الكوبري يلتزم بدفع العوائد.. ربع قرش للرجال والنساء وإعفاء الأطفال

الساعة التاسعة صباحا، وكوبري قصر النيل سيهتز بعد دقائق تحت وطأة الحمير والبغال والجمال والغزلان والحلاليف!

الوقت مناسب جدا لعبور مئات الفلاحين بدوابهم وبضاعتهم وغلّتهم من القاهرة المحروسة ووسط البلد إلى الضفة الأخرى من النهر.. ربما حدث هذا في العام 1872 أو بعده بقليل.

لا تزال كثير من النسوة يعبرن بشيء من الخوف، فهن يمشين لأول مرة فوق سطح النيل على كوبري "أبو السباع".. بلا مركب ولا ممشى ولا جسر ترابي..

بلا شك، هذه معجزة جديدة تضاف إلى عهد الخديوي إسماعيل، الذي كان السبب الرئيسي في تحويل مصر من المجتمع التقليدي بأعيانه وبشواته وموظفيه إلى مجتمع يسابق الغرب في كثير من نواحي الحياة، بينما يعاني الفلاح فيه من كثرة الجبايات والضرائب والضرب بالسياط، بلا مبالغة.

مشهد عبور الفلاحين عبر كوبري قصر النيل يحيطه الكثير من الاختزال غير المفهوم، ستجده في "بوسترات" وصور عن المصريين "زمان" بلا كثير من التوضيح والتدقيق.

وللحق فالتاريخ كان بخيلا جدا مع هذه الصورة وذلك المشهد، ورغم ذلك، سنسعى الآن لمعرفة قصة الفلاحين مع كوبري قصر النيل من بدايتها إلى نهايتها.

كان الكوبري أحد نقاط التحول الضخمة في حياة المصريين، فقبل إنشائه عام 1871 لم يكن معقولا عبور آلاف المصريين من وسط البلد إلى الجزيرة في عدة دقائق، وكان الأمر يتطلب انتظار المراكب والمعديات للعبور. لأجل هذا وقف الفلاحون بعد افتتاحه لعدة أشهر في حالة من التردد الشديد على أعتاب الكوبري، ينظرون إلى الأسدين في حيرة ورهبة.. أيعبرون بغلّتهم وبضاعتهم أم ينتظروا المراكب؟

تصميم الكوبري

أصدر أفندينا الخديوي إسماعيل أمره في عام 1869 بإنشاء كوبري يصل بين أرض الجزيرة والقاهرة، بطول 406 أمتار وعرض 10 أمتار تقريبا، منها 2.5 متر للرصيفين الجانبيين، وبتكلفة مبدئية 113 ألف جنيه، وقامت شركة فرنسية بإتمام بنائه، وفيما بعد عدلت في تصميمه شركة كليفلند ليستوعب حركة السيارات والنقل الثقيل.

وفي عام 1914 أنشئ كوبري "الإنجليز الجديد"، المتمم لكوبري قصر النيل، بهدف إبطال الملاحة في الكوبري القديم.

ويصف المؤرخ أمين سامي باشا صاحب الأجزاء الستة لكتاب "تقويم النيل" أن كوبري "قصر النيل" يتكون الجزء العلوي منه من كمرتين شبكيتين ويربط هاتين الكمرتين كمرات عرضية وأخرى طولية عليها أرض الطريق، وقد كانت هذه الأرض عبارة عن ألواح محدبة من الصاج عليها خرسانة عادية فوقها طوب من الأسفلت.

ويضع المؤرخ بيانا بالعوائد المقتضى ترتيبها على المرور من الكوبري "المستجد" على بحر النيل من جهة قصر النيل إلى الجزيرة، فكل من كان يمر على رأس الكوبري "يكون ملزوما قبل مروره بدفع العوائد، ولا يجوز لأحد المرور مجانا ما عدا من يصير معافاتهم بهذه التعريفة.

وتشمل التعريفة تحصيل ربع قرش للرجال والنساء، كما تشمل التعريفة دفع مبالغ نقدية عن عبور الجمال والخيول والبغال والحمير والجاموس والأبقار وعربات المشال بمقررات مختلفة.

المدهش في الأمر أن المؤرخ ذكر حيوانات لم يعد لها وجود الآن كانت تعبر الطريق، حيث يذكر نصا أن "باقي الحيوانات مثل كلاب والخنزير والحلوف والضبع والدب يؤخذ عوايدهم عشرة فضة"، بينما يعفى دفع أموال على عبور النعام الصغير أو الكبير.

كما يذكر أن "الأطفال الذين عمرهم لحد ست سنوات ومارين مع أقاربهم وأتباعهم يكونون معافين من الرسوم"، بينما تقرر وضع رسوم مالية على المراكب التي تمر من هويس الكوبري.

وبعد مرور عشر سنوات تطورت حركة المرور وازدادت نسبة عبور السيارات والآلات الثقيلة التي كانت تزن مقدارا أكبر مما يتحمله الكوبري، بما يزيد على ستة أطنان، لذا رأت المصلحة ضرورة فحص مادة الحديد فظهر أنه صار جافا وعرضة للكسر الفجائي، عندئذ رأت المصلحة استبدال هذا الكوبري بكوبري آخر جديد بطريق واسع وبمتانة كافية للأحمال الثقيلة الحديثة، لذا شرعت الحكومة آنذاك في إنشاء الكوبري الجديد.

هذا عن عبور الفلاحين فوق الكوبري، فكيف سارت الأمور معهم في ظل حكم إسماعيل؟

تؤكد الوثائق التاريخية أن إسماعيل خصص لنفسه نصيبا كبيرا من أراضي الجفالك، بعد أن أعاد توزيعها، بموجب عدة أوامر أصدرها في عام 1864.

وأراضي الجفالك، كما يذكرها المؤرخ الدكتور رؤوف عباس، هي مساحات واسعة من أطيان الأبعاديات استولى عليها محمد علي باشا وخصصها لنفسه ولأفراد أسرته، كما شملته أيضا بعض الأطيان للقرى العاجز أهلها عن سداد المال الميري.

ويذكر الدكتور حمدي الوكيل في كتابه "ملكية الأراضي الزراعية في مصر"، أن إسماعيل كان حاكما جشعا، لم يترك فرصة لزيادة أملاكه هو وأهله إلا وغتنمها، فكان يضم البراري و"المتروك" والمستبعدات ويشتري الأراضي ولم يصل إلى علمه نبأ عن أرض بلا حائز تصلح للزراعة إلا واستولى عليها.

في أعقاب توليه مارس نشاطا محموما في ضم أراضي الدولة إلى أملاكه وأملاك أسرته.. في محرم من عام 1863 مثلا ضم ألف فدان، وفي 9 من ذات الشهر ضم 9 آلاف فدان، وفي 18 من الشهر نفسه ضم أطيان 10 آلاف فدان وفي الشهر التالي ضم أطيان البراري الواقعة بأطراف البحيرة والبراري بمديرية الدقهلية بكاملها دون تحديد لمساحتها، وفي 9 من الشهر نفسه ضم 30 ألف فدان من مستبعدات الشرقية.. وهكذا كان الرجل محموما على شراء ونهب الأراضي وضمها إلى بكل الطرق.

وبينما بدا على المجتمع المصري في عهد إسماعيل الميل إلى المرح، والرغبة في الثراء والرفاهية والاستهلاك، وحدوث نهضة غنائية لم يشهد لها المجتمع مثيلا، وأقبلت الطبقات الممتازة على حضور المسارح ومشاهدة الروايات التمثيلية، كان الفلاحون في حالة من القهر لم يشهدوا لها مثيلا أيضا.

زادت عليهم أعباء الضرائب، وخضعوا لأعمال السخرة في الكثير من المشروعات وحفر الترع والرياحات والكباري والبنى التحتية لمصر، كما استخدم الفلاحون بالسخرة في استصلاح أطيان إسماعيل، وكان الضرب بالكرابيج عادة مألوفة لدى موظفي "الالتزام" في جباية الأموال من الفلاحين.

وتجدر هنا الإشارة إلى الطريقة التي ضمن "أفندينا" إسماعيل لنفسه الحكم المطلق، حيث أنفق مبالغ طائلة على رجال الحكم في الأستانة بتركيا لتغيير نظام توارث العرش، ليصبح لأكبر أبناء الوالي بفرمان في مايو 1866، وللحصول على لقب الخديوي بفرمان آخر في العام التالي، وللسماح له بالاقتراض دون إذن السلطان بفرمانين تاليين في عام 1873.

كما أصدر "أفندينا" مبالغ أخرى ليصدر له السلطان فرمانا جامعا للمزايا التي حصل عليها والي مصر منذ عهد محمد علي.

تسمية الكوبري

يكفي هذا الكم من الوثائق المتاحة، ونعود لكوبري أبو السباع وسر تسميته بهذا الاسم، حيث كان يطل الجسر أو الكوبري على قصر كبير يجاور النيل من جهة ميدان التحرير يسمى قصر النيل، أنشأه محمد علي لابنته زينب، ولما تولى سعيد باشا الحكم قام بهدم القصر وتحويله لثكنات للجيش، وقد احتلها الإنجليز بعد احتلالهم لمصر، وبعد جلائهم تم هدم الثكنات وبنيت جامعة الدول العربية مكان القصر.

القاهرة الطقس
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38