رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads

الشيخ محمد رفعت.. «صوت الشعب» (فيديو)

الأحد 12/مايو/2019 - 12:29 م
الشيخ محمد رفعت
الشيخ محمد رفعت
طباعة

إن الأصوات كالوجوه لكل منها سحنة خاصة! هناك أصوات تنفر منها. وأصوات تدخل السرور عليك، وأصوات ترتاح إليها، وأصوات تجعلك - بالرغم منك - تعشقها وتحبها.

والأصوات كالمعادن، بعضها كالصفيح، وبعضها كالفضة، وبعضها له بريق الذهب، وبعضها له رنينه.. ويندر جدًا أن يكون الصوت من ذهب.

من هذه الأصوات الذهبية صوت الشيخ مصطفی إسماعيل، وفى الماضى القريب كان صوت الشيخ منصور بدار، الذى اعتزل القراءة وآثر الراحة فى قريته.

ولكن هناك من بين الأصوات التى سمعناها- وما أكثرها - صوت يقف فريدًا غريبًا باهرًا ، وسر غرابته - فى رأى العبد لله - أنه استمد طبيعته من جذور الأرض، إنه صوت المرحوم الشيخ محمد رفعت.. صوت الشعب.. فمن أصوات الشحاذين والمداحين والندابين والباعة الجائلين، استمد المرحوم الشيخ محمد رفعت صوته. فخرج مشحونًا بالأمل والألم، مرتعشًا بالخوف والقلق.. عنيفًا عنف المعارك التى خاضها الشعب.

ولقد نشأ الشيخ محمد رفعت فى حى شعبى ومات فيه، وفى حى البغالة والسيدة زينب اصطخبت بأسماع الفتى الضرير الصغير أصوات كثيرة، استطاع أن يخزن منها ذخيرة ضخمة، واستطاع بعد ذلك أن يمضغها ويهضمها وأن يستخرج منها فى النهاية صوته الخالد الذى نفذ إلى أعماق الناس فأبكاهم وأشجاهم.. وهزهم هزًا.. ولا يهز أعماق الناس كالحقيقة والصدق. ولقد كان الشيخ صادقًا فى انفعاله، وكانت طبقات صوته ونغماته حقيقية مأخوذة من واقع الناس، ومن فنونهم، من أسواقهم وندواتهم وأفراحهم البسيطة.. وأحزانهم العنيفة.. ومعاركهم القاسية مع الحياة.

ولكن الفنان العملاق رفعت لم يقنع بدراسة فنون البسطاء، بل راح ينهل من الفن الموسيقى الرفيع، وعندما مات خلّف ثروة كبيرة من اسطوانات باخ وموزارت وبيتهوفن وليست، وعدة اسطوانات أخرى للعازف الكبير باجانینی، وكان رفعت يقضى أمسيات طويلة مع هؤلاء العباقرة الأفذاذ يستمع إلى النغم الرائع الذى أبدعوه فظل مخلدًا على مر الزمان.

ومن الدراسة الشاقة الطويلة للنغم الرائع وفنون الشعب، استطاع رفعت أن يبقى فى عالم الفنون راسخًا كالهرم، خالدًا کرسالات الأنبياء.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقترن ظهور الشيخ محمد رفعت بظهور عبقرى من نفس الطراز هو الشيخ سيد درويش، لم تكن مصادفة، فقد كان الشعب قد اكتمل وعيه ونموه، وترجم هذا الوعى وهذا النمو بثورة ۱۹۱۹، وفى خلال الثورة كان سعد زغلول يمثل روح الشعب الصلبة القوية المصممة على السير فى الطريق الذى بدأه حتى النهاية، وراح سيد درويش يلحن صيحات الشعب السياسية والاجتماعية، وراح رفعت يلحن حياة الشعب الروحية.


ليست هذه مبالغة، فسيد درويش ورفعت كانا زعيمين من طراز سعد، وكما التقت طبقات الأمة وطوائفها حول سعد، وكما طربت لسيد درویش، تراها - وهنا العجب - تلتف حول رفعت بطوائفها، ولم يحدث قط قبل رفعت أن استمع أقباط مصر إلى قارئ، بل إن استماعهم إليه كان بشغف وبحب وبإعجاب شديد.

بل إن عظمة رفعت امتدت إلى خارج هذه الحدود، فقصة الضابط الكندى الذى انتهز فرصة وجوده فى مصر خلال الحرب العالمية الثانية، وطلب من مدير الإذاعة أن يسهّل له مقابلة رفعت، وعندما التقى به بكى الضابط الكندى وقال: لم أكن أعلم أنه أعمى، والآن عرفت سر الألم العظيم الذى يفيض به صوته العبقرى.

وحكايات أخرى كالأساطير شاعت عن الشيخ وذاعت.. وقصة الثورة التى أعلنها المستمعون عندما نشب خلاف بين رفعت ومحطة الإذاعة، حتى إن بعضهم هدد بعدم الاستماع إلى الراديو بالمرة، وهدد البعض الآخر بعدم دفع الضريبة إذا لم تخضع الإذاعة لرغبات رفعت العظيم، وقصة أبخل وأغنى رجل فى العالم عثمان حيدر أباد الذى طلب من العبقرى الشيخ أن يحضر إلى الهند مع «حاشيته» وبأجر مائة جنيه فى اليوم الواحد مع التكفل بنفقات الرحلة والإقامة من جيب الثرى البخيل، وتقول الحكاية أو الأسطورة: إن رفعت رفض عرض الرجل وفضل إحياء ليالى الفقراء بالمجان.


والعبد لله شخصيًا لا يعرف إذا كانت هذه القصص حقيقية أم من نسج الخيال. ولكنها على أى حال ترينا كيف أصبح رفعت بطلًا شعبيًا مثل عنترة وأبوزيد الهلالى ينسج الناس حوله قصصًا خرافية، ولكنها فى الوقت نفسه تترجم مشاعر الناس البسطاء نحو الرجل العظيم، وعندما كان رفعت حيًا يقرأ فى جامع فاضل باشا لم يكن أحد من المستمعين يتصايح أو يرفع عقيرته بعبارات الطرب والانسجام. كما يفعل المستمعون اليوم مع المشاهير من القراء .. كان فن رفعت الأصيل يجبرهم على الصمت ويقيدهم فى أماكنهم، يحتملون أحيانًا فوق طاقتهم من ضيق المكان، ومن حرارة الجو ليستمتعوا بالصوت العبقرى العظيم.. هذه الحقيقة البسيطة تكفى وحدها دون حاجة للأساطير للدلالة على عبقرية صوته الغريب.

وحقيقة أخرى أبلغ دلالة، فالغالبية العظمى من الأشرطة التى تذاع اليوم للشيخ محمد رفعت لم يكن للإذاعة فضل فيها، بل الفضل كله يرجع إلى عشاق الشيخ الذين لم يكونوا على صلة صداقة أو معرفة بالشيخ. بل دفعهم الحب الصادق والاعتراف بعبقرية صاحب الصوت إلى تسجيل كل سور القرآن دونما هدف إلا هدف الاحتفاظ بهذا التراث الخالد العظيم فنرى أحد البشوات، هو زكريا مهران يحتفظ بتسجيلات الشيخ دون أن يكون قد رأى الشيخ مرة فى حياته.

وهناك تاجر وطنى كبير، وموظف سابق، وعمدة من عمد الأرياف يحتفظون بنفس الشىء لأنهم أدركوا بفطرتهم الفنية السليمة أن هذا الشىء يجب الاحتفاظ به.. لأنه ثمين.

دلیل الحكايات الخيالية والحكايات التى حدثت فعلًا دليل خطير خلاصته أن هذا الشعب الذى ظلمناه طويلًا ولايزال بعض أدبائنا الكبار وفنانينا الكبار - الكبار سنًا - يتهمونه بفساد الذوق وعدم التقدير وعدم الإحساس الفنی، شعب أصيل، أصيل فى وعيه، أو ميل فى تذوقه، وتقديره للفن.. على شرط أن يكون فنًا حقيقيًا يستحق التقدير.

وقد يقول قائل: ربما كان التقدير الذى حظى به رفعت راجعًا إلى حب الناس وتقديرهم للدين، وهو قول غير صحيح.. فقد كان مع رفعت مجموعة من القراء لا يمكن حصرها.. ولا تجاهلها، وكان من بينهم عباقرة لمعوا فجأة ثم طواهم النسيان، ولم يبق من بين الجموع الحاشدة إلا رفعت وحده خير شاهد على أن الفن الأصيل يبقى.. وما عداه يزول!.

وحتى بعد موت رفعت، وبعد أن ضاع أخلد أعماله.. وهو صوته، وبقيت عدة أشرطة قديمة سيئة التسجيل، بعضها يسىء إلى رفعت أكثر مما يحسن إليه، رغم هذا كله. فقد أثبت الشعب أنه وفى وفاء منقطع النظير.

مثلًا.. وهذه حقيقة وليست خرافة. أقسم أحد كبار الجزارين أن جسد العبقرى لن يدفن إلا فى المقبرة التى أعدها له، وكان قد أعد فى صمت وبلا ضجيج مقبرة عظيمة تليق بعظمة الراحل الكريم، وأصر الجزار الطيب على أن يحمل نعش الشيخ بنفسه إلى مثواه الأخير.

ووفد على مأتم الشيخ آلاف من مختلف أنحاء البلاد لم تكن لهم صلات بالشيخ إلا صلة التقدير والإعجاب.

ولكن مفتى سوريا عندما سمع الخبر قال ولحيته مبللة بالدموع: رحم الله شبابه فقد جدد شباب الإسلام، ولايزال مجهولون كثيرون يزورون قبر الشيخ في صمت ليقرأوا الفاتحة على روح الفقيد. وإلى عهد قريب كانت فى العاصمة وأنحاء أخرى متفرقة من البلاد مقاهٍ تخصص لمستمعی رفعت قاعات بداخلها ليستمتعوا بما تبقى من فن الشيخ فى هدوء .

من كتاب.. «ألحان السماء»

القاهرة الطقس
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38