رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
محمد جميز
محمد جميز

أقوالُ ذاكرةٍ في مَحضَر الحياة (قصة قصيرة)

الأحد 21/أبريل/2019 - 07:59 م
طباعة

 

لم أختَر اسمي، كان اسمًا غريبًا، فيما بعد أدركت وجهَ جمالِه. لم أختَر محل ميلادي، عرفت الغربة مبكرًا، الغربة صارت صديقتي، بعد المدرسة كُنَّا نذهب أنا وهي ومجموعة من الصديقات إلى البحر، صديقاتي يلعبن، البحر يهمس للغربة أن ترأف بحالي، الغربة تقبِّل جبيني ناصحةً: أعرف إنك تشتاقين لبلادك، قد أكون قاسية بعض الوقت، كل الوقت، لكن تذكَّري: النهار يخرج من أحضان الليل!!

وجهه كان رحمةً، قال لي: لن تكوني وحيدة بعد الآن. جاء إلينا نسيم آخر، قبَّلت يده، احتضنني، أيٌّ من الأسماء ستختارين لها؟ أخبرته، ابتسم، ونظر إلى السماء، وأسرَّ إليها بأمنياته.

الفرحة غالية، الفرحة كانت تسكن غرفتي، يأتي المساء كل يوم، أناوله دفتر أحلامي، أضحك في غنجٍ، فيحمرّ وجه المساء خجلاً، غرفتي كانت نهارًا، الباب كان مفتوحًا، أمام الغرفة يجلس كل صباح: عصفورة وضحكة وأختي الصغيرة.

الغربة والبحر يحزمان حقائبي، الحقائب تعد الأيام، البحر يسّر إليَّ: الموج لا ينسى الإساءة..  البحر يحفظ الأسرار.. الشواطئ تكتب الأسرار.. لم أفهم ماذا يقصد، لكن بكيت. 

أين بلادي؟ بلادي سرقَتْها الأوهام، هنا كان يوجد نهرٌ. ماذا؟ قتلوه بالسم!

الحزن يهاجم وجهي بكل شراسة، سنوات طوال وأنا أفكر، متى سيأتي؟ أريد أن أكتوي بناره، ناره مثل ضحكة شمس الصباح.

هل أحبه؟ أم أنه هو المتاح، حَنونٌ، طموحُه مثل الزمن، لكن قدراته كالخريف.

مثل كل الفتيات أحلم، لا تموت الأنثى عندما تستأجر التجاعيد وجهها، الأنثى تموت عندما يلفظها القطار، القطار لا يعترف بالوساطة، جلست في القطار وتحسَّستُ تذكَرتي وانتظرت!!

همس: أحبك جدًّا. ابتسمتُ. قال: قريبًا سنتزوج. وقتئذٍ رسمت عيناي غرابًا ولوحة فارغة وشاطئًا مهجورًا..  الشاطئ كان يكتب!

أين أنت الآن؟ جسدي مُوشَّى بالجروح. أراك في عيني أختي الصغيرة، سأجهز لك شايك المفضل، عند المدفأة سأنتظرك، أريد أن أخبرك شيئًا، أنت صديقي، صحيحٌ؟ دَعني أتكلم وأرمي بكلي في أحضانك، هل تدري؟ أموت كل ليلة اشتياقًا إلى أحضانك.

لست أخجل منك، أدركت الحقيقة؛ لم أحبه قَطّ، فقط قدَّرت طموحه، ذات ليلة هاتفني: أنت نغمات فجر. وقتها همست: أحبك. قلبي عنَّفَني وصرخ: بين الرغبة والمتاح خيط لا يعرف الرحمة، تخافين الزمن. لم أجب، كنت خائفة!!

ابقَ قليلاً، في وجودِكَ الليلُ يخشى أن يأتي. هناك أمرٌ آخر، أتذكُر؟ من سنواتٍ صرَّحت لك بحلم السفر، رفضت بعلة خوفك عليَّ، ألححت عليك، قبَّلت جبيني كالعادة وقلت: عندما أراكِ تلبسين الأبيض، وقتها فقط سأساعدك.

عندما رأيته: أدركت بأن الآخر كان متاحًا، اقتربت لأناوله قدحًا من الشاي، ابتسم، حينئذٍ رقص قلبي، آه أيها الآخر، الظروف وضعتك في جدول المقارنة، أنت خارج الجدول الآن، قد جاء الفارس أخيرًا.

تحسست تذكرة القطار، الهلع يضيِّق الخناق، ودموعي كانت مخنوقة، الفارس يرتدي خاتمًا، الخاتم مصنوعٌ من المستحيل، انكسرت أوتار القيثارة، وتوقف قلبي عن الرقص!!

أخرجت المتاح مرة أخرى من دفاتري، وناديت الشاطئ: لا تكتب شيئًا.

أجل، تحسس ملامحي، دَع سماءك تمطر رحمة، عند المدفأة: مقعدك، مسبحتك، شايك، أختي الصغيرة، الكل ينتظرك.

 وأنا، أجل، أردتُ أن أهمس لك: قد جاء الفارس اليوم، ومعه راحةٌ، الفارس يحبك، أنت تعرفه. ظننت بأني نسيت أمره، عبث، منتهى العبث، أحببته لكن قد صفعني خاتمة!!

رغم ذلك، وجدتني أُسرع إلى الغرفة، أبحث عن دفاتر أحلام الأُمسيات، صففت شعري، شعري كان نهرًا، ارتديث فستاني الأبيض، ناولته قدحًا آخر من الشاي، أخبرته ببعض الأشياء عدا أنا، تمنيتُ أن أهمس له: دعنا نتراقص، عيونك جميلة، عيونك رحلة فرح، اقترب، أنفاسك عذبة، لمساتك مثل قطرات جندول صغير، أحبك، أحبك جدًّا .

لكن لم أَقُل، اكتفيت بالتمنِّي، ورحل يجرُّ أحلامي، ورحلت أنت أيضًا، ولم تستطع نار المدفأة الصمود، قد أخذت معك كل الدفء، لم يتبقَّ هُنَا سوى لوحة يطل منها وجهٌ، الوجه تسكنه الرحمة.

ads
القاهرة الطقس
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38