رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
بشرى عبد المؤمن
بشرى عبد المؤمن

أجنحة مى زيادة المتكسرة

الجمعة 19/أبريل/2019 - 06:08 م
طباعة

ثمَّة فتاة فلسطينية المولد، لبنانيَّة التعلم، مصرية الإقامة، تدعى "مي"، استقر بها المقام في القاهرة، فاتخذت من بيتها منتدى يؤمه أقطاب الفكر والأدب في ذلك الحين، من أمثال "طه حسين" و"العقاد" و"الرافعي" وغيرهم، وبدا أن لها في قلب كل منهم مكانة ومنزلة، لكنها لم تبادل أحدا بشيء.

وفي ذات يوم كانت تسمع الحديث الدائر في جلستها عن أديب يدعى "جبران"، لم تكن تعرفه في ذلك الوقت لكنها تشوقت إلى ذلك، فكان أول ما قرأت له مقالة كتبها في السادس من ديسمبر عام 1908، والمقالة موجودة في كتابه "بلاغة القرن العشرين" تحت عنوان "يوم مولدي"، فأعجبت بها، ولم تقنع بقراءتها، إنما راحت تستطلع سيرة صاحبها، فزادها ذلك شوقا إلى التعرف عليه.

وبينما كانت "مي" تطالع إحدى قصصه جاءها الحل: لماذا لا تكتب إليه مبدية إعجابها بأدبه؟ لكنها ظلت مترددة، تخشى أن يهمل رسالتها، خاصة وأنه "تلميذ نيتشه المتجبر"، لكنها قضت سريعا على هذا التردد، وأقنعت نفسها أنها أديبة تكتب إلى أديب، ومن ثم كتبت إليه في التاسع والعشرين من مارس عام 1912 أول رسالة تقول فيها: "أمضي مي بالعربية، وهو اختصار اسمي، ومكون من الحرفين، الأول والأخير من اسمي الحقيقي الذي هو ماري. وأمضي (إيزيس كوبيا) بالفرنجية، غير أن لا هذا اسمى ولا ذاك. إني وحيدة والديَّ وإن تعددت ألقابي".

في سرعة جاءها الرد، يحمل ثناءه عليها، ويحدثها فيه "جبران" عن نفسه وعن كتبه، ويرفق به آخر ما كتب "الأجنحة المتكسرة" طالبا منها أن تبدي رأيها فيه، ففرحت "مي" وقرأت أجنحة جبران، وأخذت تسطر له رأيها، وتناقشه في موضوعها، فكتبت له: ".. ولكنْ إذا جوزنا لسلمى -ولكل واحدة تماثل سلمى عواطف وسمو وذكاء- الاجتماع بصديق شريف النفس عزيزها، فهل يصح لكل امرأة لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها وهي فتاة أن تختار لها صديقًا غير زوجها، وأن تجتمع بذلك على غير معرفة من هذا، حتى وإنْ كان القصد من اجتماعهما الصلاة عند فتى الأجيال المصلوب؟"

توالت الرسائل بعدها بينهما، ولم تنقطع إلَّا تلك الفترة التي اشتعلت فيها الحرب العالمية الأولى، وتوثقت أواصر الصداقة بينهما، على الرغم أن كلًّا منهما لم يحظ برؤية صاحبه ولو مرة وحيدة، وكما ذكر ثروت عكاشة أن "جبران" آثر "مي" بإلقاء كلمته التي شارك بها في الحفل الذي أقامته الجامعة المصرية لتكريم خليل مطران، وكان قد بعث بها إلى "سليم سركيس" منظم المهرجان.

ويبدو أن توالي الرسائل بينهما، شجع "جبران" على أن يطلب من "مي" أن تزوره في بوسطن، لكن صدى هذه الرسالة كان سيئًا، فقد ثارت مي لكبريائها، وبعثت تعنفه وتلومه، فأجابها بأنَّها قد أساءت فهمه، وراح يعتب عليها، ثم انشغل عنها وهو يعد كتابه "السابق"، فظنت "مي" أن قسوة لهجتها قد آذت مشاعره، فبادلها غضبا بغضبٍ وآثر الصمت والانقطاع.

فكتبت تعتذر عما سببت له من ألم وضيق، وتعلن أنها تحبه دون غيره من الذين التفوا حولها من الأدباء والمفكرين. لكن جبران لم يكن يذهب إلى ما ذهبت إليه، وإنما كان مطمحه تلك الصداقة الفكرية والصلة الروحية، فكتب إليها يفصح عن حقيقة مطمحه.

وسارت الأيام سريعًا، فاشتد المرض بجبران، وفقدت مي أبويها فكتبت إليه حزينة "لم يبق إلا أنتَ أيها الصديق" ولكنَّ الموت لم يبقِ لها هذا الصديق، ولم يشأْ أنْ تستمر تلك الرسائل، فآثرت "مي" العزلة حتى وافتها المنية بعد "تلميذ نيتشه" بعشرة أعوام. 

ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38