رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
أحمد عبد المنعم رمضان
أحمد عبد المنعم رمضان

حجرتى (قصة قصيرة)

الأحد 14/أبريل/2019 - 09:12 م
طباعة

أنام كثيرا هذه الأيام... هل أنا مرهق إلى هذا الحد؟؟ أم أن حياتى باتت مظلمة إلى حد يدفعنى للنعاس والإغراق فى النوم. أعيش وحدى فى حجرة نوم معتمة، لا يوجد بها سوى سرير واحد، وحدى، لا أعلم أين يقع باب تلك الحجرة، ولا أعرف كيف أخرج منها... حتى وإن علمت مخرجها، لن أتركها، فقد تمكن منى شعور بأن تلك الحجرة بكل تعاستها وكآبتها وظلمتها قد تكون أفضل حالا مما هو خارجها،  ترسخ داخلى المثل الشعبى القائل ( اللى نعرفه أحسن من اللى مانعرفوش)... أود أن أعرف هذا (اللى معرفوش) حتى لو لم أخض غماره، إلا أننى لا أجد المخرج كما أنى أخاف أن أخرج.

السؤال الأزلى الذى لا أجد له إجابة هو كيف دخلت هنا من الأصل؟

لم أصف لك تلك الحجرة كما ينبغى... لا أجد طريقة لوصف مدى وحشتها وظلمتها وضبابية الرؤية داخلها، ولكن رغم عتمتها، يظل شعاع نور واحد سارحًا فى جنباتها طوال الوقت، يتغير مكانه دائمًا، ينبثق من اليمين حينًا ومن اليسار حينًا، ومن فوقى أو تحتى، حتى باتت من عاداتى أن أخمن من أين سيأتى النور فى المرة القادمة.

سمح لى هذا الشعاع برؤية مكونات الحجرة، ولكن ما تبين لى أنه ليس للحجرة مكونات، مجرد هذا السرير الذى أنام وأقوم وأعيش عليه. لم أصف لك قسوة هذه الحجرة، فهى لا توصف، ولم أصف لكم الأحداث العجيبة التى تحدث بها، برد وحر ورعد وبرق.... نعم، داخل الحجرة، أرى الغيوم متهادية فى سقفها، وأكاد أشعر بقطرات المطر على جسدى والندى المتراكم فوق أطراف سريرى.

يوميًا، وفى كل دقيقة يمر أناس من هذه الحجرة، يعبرون أمامى، أسمع خطاهم وألمح وجوههم... لا أكاد أتأكد هل هم موجودون فعلاً أم لا حتى يختفوا. من أين يدخلون ومن أين يخرجون؟؟ لا أعلم، إننى حتى لا أعلم علو سقف حجرتى، أحيانًا أصطدم به وأنا جالس وأحيانًا أقفز فلا أطوله... وكذلك الجدران، يبدو أنها متحركة، تتضام على بعضها وتبتعد ثانية، فأشعر حينًا أننى مختنق بين تلك الجدران وأحيانًا أخرى أننى أرتع فى براح مخيف.

كثيرًا ما حاولت أن أهتف طالبًا العون، مناديًا أحدهم أن يأتينى ويخرجنى من تلك الحجرة، أو ربما يدلنى على طريق الخروج، يرشدنى، يشير إلىّ،  ثم أقرر بعددها إن كنت سأخرج أم سأستمر، فأنا أخاف الخروج... لا أخفيكم سرًا فقد كان دائمًا يجيئنى الرد سريعًا ومباغتًا ولكنه ما كان إلا صدى صوتى الخائف وتردد كلماتى فى فضاء الغرفة، وكأن شخصا آخر يطلب العون من حجرة مجاورة.

اليوم، كنت نائمًا، فهذا هو الشئ الوحيد الذى أفعله بعد أن أفرغ من متابعة المارة وتعقب شعاع الضوء. كنت نائمًا كما هى عادتى طوال اليوم، استيقظت عندما تسلط شعاع النور على وجهى مباشرة، أدرت وجهى وأغمضت عينى هربًا منه، حتى اصطدمت بجسد مستلق إلى جوارى. لم أتعود أن أرى أو ألمس أو أن تلمح أى من حواسى الخمس أى جسم فى هذه الحجرة... إنها امرأة... تذكرت سريعًا أن هناك مخلوقًا آخر يدعى المرأة، كنت قد نسيته ولا أبالغ إن قلت أننى نسيت الرجل أيضًا، فأنا لا أرى لا رجال ولا نساء، أنا فقط أرى تلك الأشباح التى تدخل وتخرج من الحجرة يوميًا ولا أكاد أميز جنسها.

كانت نائمة هى الأخرى، حاولت أن أوقظها، لا أكاد ألمسها حتى أسحب يدى سريعًا قبل أن تطالها، ليس خوفًا من عقاب إلهى، ولكن خوفًا منها هى نفسها. صرخت بصوت عال "اصحى، اصحى"، فوجدتها تتقلب فى سريرها، أقصد فى سريرى وكأنها اعتادت النوم فى هذه الحجرة... ثم نظرت إلى بعين نصف مغلقة، وقالت لى بصوت تخللته تنهيدة وتثاؤب "صباح الخير".

يبدو أنها ليست مستغربة للموقف كما هو الحال بالنسبة لى، يبدو أنها تعرفنى أو أنها معتادة على الاستيقاظ فى أسرة الغرباء. سألت بصوت متلجلج "أنت تعرفيننى؟"، كان شعاع النور الآن موجها على وجهها وكان هناك شعاع آخر يخرج من عينيها... قامت من السرير وتحولت من ملاك نائم إلى مهرة نشطة، قالت بلهجة ذكرتنى بعاهرات حسن الإمام " طبعا عارفاك"... قلت لها مذهولاً " بس أنا عمرى ما شفتك قبل كده؟؟" ... ألتفتت وقامت من على السرير، أدارت ظهرها العارى نحوى فتأملت جسدها المتدفق وهى تتمطع وتقول "ومين قالك إنك شايفنى أصلا... أنت كل حاجه تصدقها كده؟؟؟ ده أنت عبيط أوى... أقولك، حاول تلمسنى وأنت تعرف".

مددت يدى كى ألمسها ببطء، ببطء شديد، وكلما أقتربت منها، أبتعدت مجددًا... لم أجرؤ أن ألمسها... نظرت إلىّ وضحكت ضحكة عالية تبعها صدى متعال، أخذ يتردد طويلاً بين جدران الحجرة، فالتفت إلى جوارى مترقبًا مصدر الصدى المجلجل، وعندما عدت لتأملها، لم أجدها، خرجت، بسهولة ويسر، مثل كل الأشباح التى أراها يوميا عبر حجرتى التى عادت لتضمنى أنا وحدى... وحدى.


ads
القاهرة الطقس
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38