رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
حنان عزيز
حنان عزيز

زيارات ليلية «قصة قصيرة»

الأحد 07/أبريل/2019 - 04:58 م
طباعة

وكما تنتظره كل مرة فى موعد عودته، ظلت واقفة حتى وضع المفتاح في الباب، وقبل أن يهمس بندائه الخافت عليها، كانت في استقباله، حيث تلمست الطريق الخالي إلى الحجرة، فدخلت معه، وأغلقت الباب من الداخل، وكعادته كل مرة، كان قادما وفي يده البنفسج، وحين ضمها، أحست بملابسه قطرات مطر، فظلت بحضنه فترة طويلة، ثم نظرت إلى الباقة في يده و قالت:

ـ بنفسج برضه؟

ـ عارف قد إيه بتحبيه!

سألها وهو يتسمَّع صوت الأولاد من الغرفة المجاورة:

ـ ده صوت محمود؟

أومأتْ برأسها وأخبرتْهُ أن الأولاد كبروا، ومحمود الذي كان صغيرا في آخر مرة صار يغلق الغرفة على نفسه ويُكلم ابنة الجيران، قال لها إن صوته تغير، صار أكثر خشونة، فقالت إنه أصبح رجلا، ويتصنع أنه يذاكر، سأل عن سارة، فأخبرته أنها نائمة، عندها امتحان في الغد، سأل عن الجيران في غيابه، فقالت: يتهامسون، والأصدقاء، فقالت: في عيونهم شفقة، والأوغاد، تطعنها سهامهم، سأل: ألهذا عيونها مرهقة، فدمعت عيناها وقالت: الحمل ثقيل فقط، ثم ابتسمتْ ومسحت دمعتها ووضعت البنفسج في موضعه، في ذات الإناء على الطاولة الرخامية. جذبها إلى السرير وأجلسها وفي عينيه نبرة اعتذار، نفس النظرة التي تفهم منها كل مرة أن الأمر خارج عن إرادته، فمرت بكفها على رأسه، وقالت إنها متفهمة، لكنها تخشى أن تسقط في منتصف الطريق من الوهن، فربت كتفها، وضمها إلى حضنه، وقال إن الجميلات أقوياء، وإنه يعرف أنها طول اليوم تعمل، وترتب وتطبخ وتذاكر مع الأولاد، لكنه يعرف ما ينقصها، وتلألأت في عينه الدموع،  فقالت إنها سعيدة لأنه يعرف، وأراحت رأسها على كتفه، فأحاطها بذراعه، وكان الحديث خافتا، والدموع تتلألأ في المحاجر، وتتهدج الأصوات، لمس بيده صدرها وقال جملته التي تفهم منها أنه يريدها:

ـ إنما إيه الحلاوة دي؟

لم تكن تعرف إذا ما كان يقصد القميص البنفسجي أم يشير إلى ما تحته، فدفعت يده بخجل كأنما في أول لقاء، ودمعت عيناها وارتمت في حضنه أكثر وقالت:

ـ بتتريق عليَّه عشان سمنت شوية!

دفس وجهه في شعرها، وقال إنه يقصد ما يقوله، وأنها ما زالت حلوة، حتى مع الزيادة الطفيفة، وقال إنه يعرف أن الضوء الذي في الغرفة مصدره وجهها وعنقها، فعادت وأسندت رأسها على كتفه ودخلت في نشيج.

 رأت قطرات المطر تحبو ببطء على زجاج النافذة، فقالت شتاء جديد قادم، وتساءلت  ترى كم شتاء عليها أن تنتظر حتى يفي بوعده، ويجيء هكذا في النهار، فرفع ذقنها لأعلى وحدق في وجهها وقال إنه يود فعلا لو يرى سارة، ويعرف النضارة والطفولة في جسدها الغض، فقالت: أصبحتْ آنسة، وأنها تشعر بأنها تأخذ منها النضارة، فيما تتحول هي إلى الجفاف، فقال: غير صحيح ما زلت غضة وجميلة ورائعة كما أنت " ومال عليها بقبلة طويلة، قطعتها طرقات على باب الحجرة، فقامت هلعة، ومسحت عينيها متأهبة للإجابة على أسئلة سارة التي استيقظت لتستأنف المذاكرة قبل الامتحان، لماذا تغلق الباب على نفسها من الداخل، ومع من كانت ماما تتكلم، ولماذا تبكي، وحين لا ترد، وتبتلع الأقراص من علب الأدوية الجديدة، تتفقد سارة جنبات الغرفة كأنها تبحث عن شيء حتى يستقر بصرها على صورة في الإطار تعلو الطاولة الرخامية، وعليها آنية البنفسج، وحين تقع عيناها على باقة البنفسح الجديدة، المبلولة بقطرات الماء، لا ترى علب الأدوية المفتوحة، وتتساءل بانبهار عمن أحضر هذه الباقة الجديدة، وتحملها بين يديها فتتهشم الورود الجافة التي لا يعلم أحد كم شتاء مر وهي تخبئ خلف مظهرها اليانع جسدا هشا، يقتله الانتظار.

ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38