رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
محمد النجار
محمد النجار

ابن عرس سرق سوار الذهب «قصـة قصيرة»

الإثنين 18/مارس/2019 - 11:47 ص
طباعة

بالأمس ، كان وجههاً صبوحاً دافئا يلمع كنهرٍ رائق .. سكنت الغيرة ديار جاراتها الأوائل ، وعمَّ النشاط حواس أزواجهن مسترقي النظر .. إثنين كنّا ، وثالثنا غَمَر حضوره  العيش والعرق فلم نتشارك الذكريات إلا القليل منها .. كان هذا بالأمس ، قبل أن يبتسم له وجه الموت.

 تتبسم أمي فتتدانى تجاعيد أربعينية في وجهها من بعضها .. تقول وهي ترفع ملاءة صغيرة وتتركها تتهادى لتستقر على جسدى المسجيّ .. 

"غدا في البكور تكبر وتلحف أخواتك قبل أن تلتحف" .. الكلاب تعوي وكذلك الرياح تفعل خارج الكوخ الصغير .. في النهار ، تتصارع أشعة الشمس لتجد لنفسها مكانا في فجوات صغيرة تنتشر في سقيفة الكوخ القشيّة .. وفي الليل ، يتسلل نجم صغير خلسة بين أكتاف السحب العملاقة ليبتسم لي قبل أن يعود لتغمره الغيوم المتراكمة .. منذ ما زاد عن الشهر بقليل ، نمكث في الكوخ بعد أن صَمَّ البوق آذاننا .. تقول أمي .. "غارة" .. فنهرول ضاحكين إلى قبو البيت الكبير .. في القبو لا حدود ولا أبواب موصدة .. في القبو يطيب اللعب والسمر والمناطحة والتباهي .. بعدها , حَمَلت أمي همَّها ومتاعنا واعتلت بِنَا ظهر عربة يجُرها حمارٌ مسكين إلى دارنا الضيق الجديد .. نفترش الأرض إلا من حصيرة جافة متآكلة .. على يميني إحدى أخواتي تتلاطمها الأحلام .. يعلو صدرها ويهبط كبحر هائج .. وسوار ذهبى رفيع يلمع على معصمها الوليد ، وظِل داكن غريب صغير يجاوره .. ظِل متحرك يحاول نزع السوار انتزاعا .. تتملل عسى أن تعود لنومتها ولكن الظِل يأبى أن يترك السوار .. أرفع الملاءة الصغيرة لأُغطي رأسي علِّي لا أرى خوفي، فيذهب عني .. تخرج صرختي مدوية يرتج لها الكوخ الصغير .. أُميز وقع قدم أمي فأختلس النظرات .. تضرب بكفها على صدرها وتشهق في ذعر .. يتلاشى الظِل الصغير سريعا مع غنيمته .. تصرخ أمي وهي تنظر لي في لوم .. :

"أدركوه .. ابن عرس سرق سوار الذهب" ..

أختلي بخوفي ولوم أمي وأتكَوم تحت الملاءة الرقيقة .. يغلبني النوم .. أستيقظ على صوت صديقي الأقرب يناديني بغير كلل .. يضُم كرته إلى صدره كحبيبة ، ويلهث بحماس منتظرا تحت شرفتنا .. أُشير له ليصمت .. أُبدل ملابسي سريعا .. أتوقف هنيهة منتصبا ملاصقا لخزانة ملابسنا العملاقة .. أرفع يدي وأرسم خطا رفيعاً مقابلاً لأعلى رأسي على الخزانة .. لا يرتفع الخط كثيرا عن سابقه ، ولكنه ارتفع على الأقل .. أسحب شهيقا معبأً بالثقة فتمتلئ نفسي بها .. نسيرُ أنا وصديقي متجاورَين متلاصقَين كديدن الأطفال .. نصادف مجموعة أخرى يحتلون الطريق الضيق ليصنعوا منه ملعباً يناسبهم .. أنظر لأعينهم مباشرة في وِد.. أجمل الود ما تبعثه النظرات .. لا نحتاج وقتا طويلا لنصير أصدقاء ... هكذا نحن أطفالا يجمعنا الحب ويفرقنا أيضا .. لا وجود لغيره في عالمنا الصغير .. يأخذنا شغف اللعب ويُطربنا سؤدد الصحبة المحببة .. يركل أحدهم الكرة فتبتعد حتى تغيب عن أعيننا .. يركض أحدهم ليلاحقها ، فيختفي هو الآخر لوهلة ، ثم يعود حزينا باكيا .. نسأله , فيجيب بأن بالغا قرر أن يصادرها .. نبتئس .. أقول لصاحبي .. :

" انه ابن عرس ، هو من أخذ الكرة وسرق سوار الذهب" ..

ينظر إلىَّ مستغربا .. يشيح بوجهه ، ثم يمد يده إلى جيب قميصه المتهدل .. يسحب إحدى لفافات التبغ ويلقيها إلى فمه .. يدور برأسه إلىَّ متسائلا إن كنت أريد واحدة .. قالوا لفافة التبغ حياة .. لفافة التبغ ستحملني إلى عتبات الرجولة .. أقاوم منذ سنوات, واليوم اِنهار سدِّي أمام موجات حثّهم وضربات رغبتي ..سُحب الضباب الأسود تُحلِّق في رئتىَّ .. يدفعها النفس الخارج إلى وجهي فتمطر عيناي ويرعد فمي بالسعال .. يضحكون حتى يتملكهم السعال أيضا فأتوه بينهم .. سنين المراهقة الكريهة .. عندما تخشى ضربات التهكم وسيل الاستهانة ، فتخنع لرأى القطيع وتسوقك واو الجماعة .. نسير جماعة بلا هدف .. تسبقنا ضحكاتنا وتحيطنا هالة محببة من النفور .. يتجنبنا الناس كمرض معدي، وتُغَيِّر النساء وجهتهن إن اشتممن روائحنا العطنة عن بُعد .. سنين المراهقة الكريهة .. عندما تتحول الأنثى من كائن لزج مقيت مثير للعصبية .. إلى هُلامٍ عَطِر يُنشد قربه وتُستحب مرافقته .. تضحك فيسيل لعابنا وتتثنى فيحترق داخلنا ونُشوَى بنارٍ لا يطفئها إلا الوصل الممنوع .. يُقْدم بَعضُنَا على قطف بعض الثمار علَّها تسد جوعه .. أريد، ويمنعني شئ ما .. قليل من احترام الذات وكثير من الخوف ربما ..

"الخوف قرين الإنسان ، مانعه الأول أن يفعل ، أو أن لا يفعل".. تقول أمي ..

وأنا مربوط إلى شجرة الخوف منذ وعيت .. أحمله على كتفي في السفر، وفي العمل , وفي أعماق رأسي دائم القلق .. أحمله في فراش زوجتي الملولة .. ثم ألقيه مؤقتا بعد عمل شاق محبب إن أفلحت فيه .. أستدير ناظرا لسقف غرفتي محلقاً للاشئ .. أهب واقفا فيعود الخوف ليثقل كاهلي .. أحاول أن أشد هامتي لأقف ملاصقا لخزانة الملابس .. نظيفةٌ أملس خشبها بلا خدش أو خط مرسوم ..أنقش خطًا علي الخشب أعلى رأسي .. لا خط آخر لأقارنه به، ولكني أعرف أنه أبعد ما يكون عن آخر خط منقوش ..  يقترب مني سقف الغرفة بسرعة حتى يكاد أن يُطبق علىّ .. أغادر الغرفة والبناية كلها ببطءٍ أثرته السنين الطويلة .. أُصادف أطفالاً تُسكرهم سعادة اللعب في الشارع المقابل .. أقترب إليهم مشيراً بابتسامة ودودة .. يجفلون لوهلة وينظرون إلىَّ باستغراب .. أحاول أن أنظر لأعينهم في وِد .. أحتاج أن أطأطئ رأسي لأسفل حتى أفعل .. أرى نظراتهم المتوجسة وخوفهم المطمور .. يقول أحدهم ..:

" أتبغي شيئا يا شيخ ؟" ..

بعد وهلة ، يعودون للعبهم غير عابئين .. يغمرني الحزن البالغ حتى تدمع عيناي .. يقترب مني رجل حسن المظهر .. يمسك ذراعي بروية و يجرني إليه .. يبدو وجهه العريض مألوفا .. أسمع تمتماته المتذمرة .. شئ ما يثير عصبيته .. أنظر إليه في تساؤل ، ثم أقوم من مجلسي متجها لخزانة الملابس العملاقة وسط توجس الحاضرين .. العديد منهم يفترشون صالة المنزل الواسعة .. أقف ملاصقا للخزانة ، ثم أنقش خطا وهميا عليها أعلى رأسي .. أُطأطئ رأسي باحثا عن الخطوط الأخرى المنقوشة أسفله .. لا شئ هناك .. أين الخطوط الأخرى يا أبناء الأفاعي؟ .. ألتفت إليهم في غضب ..  ألقي إليهم بكل السباب المشين الذي اعتادت أذناي أن تلتقطه ولم يمنع لساني عنه إلا لجام الحياء الذي لم يعد له وجود .. يحاول أحدهم سحبي من ذراعي في هدوء .. أستجيب له خاطفا نظرات مستهزئة إلى جمع الجالسين .. أهمس له قائلا :

" إنه ابن عرس ، مسح الخطوط ، وأخذ الكرة ، وسرق سوار الذهب" ..

أجلس على طرف الفراش مواجهاً للمرآة الكبيرة .. وجهي في المرآة يبدو غريبا تحيطه لمحة من بلاهة .. ولكن يحيطه وهج غريب أيضاً .. يبدو بشكل ما كوجه أمي .. تتهلل أساريري فجأة .. يُحيط حضور أمي عالمي ببهجة مفتقدَة .. تسألني عن ابني الأكبر ، وعن الذي يليه .. تبتسم ..  تقول أمي .. :

" أنت جميل ، لكنك أحمق .. والحُمق يفسد جمال الأشياء" ..

تقول أمي .. :

"زمان المرء هلاكه وقوته ، راقب الزمان" ..

أمي  وجهها صبوح دافئ يلمع كنهرٍ رائق .. سكنت الغيرة ديار جاراتها الأوائل ، وعم النشاط حواس أزواجهن مسترقي النظر .. أمي وأنا ، إثنين كنّا .. وإثنين ، اليوم نصير …

ads
ads
القاهرة الطقس
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38