رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
أشرف توفيق
أشرف توفيق

«المعبر».. الجنة المزعومة وسط عفن الواقع

الأحد 17/مارس/2019 - 11:13 ص
طباعة

و(حىّ غرب) من المدن التى يمكن أن نسميها المدينة الأم، بقدر ما هى ممتلئة بالتاريخ فهى ممتلئة بالفوضى، ليس لها تخطيط عمرانى، جاء البشر منذ فجر التاريخ وأقاموا فيها وبدأت تتسع بأسلوب الزحف العمرانى".

"(حىّ شرق) لن يكون جزءا مكملا لحى غرب أبدا، ولا حتى فى طبيعة السكان، حى شرق سيكون مدينة جديدة، مدينة مختلفة، ولن تتكرر فيها أخطاء حى غرب".

"ضغط هائل جعلنى أكتشف أن كل من بالمدينة، الفقراء والأغنياء، الأنقياء والمرتشين، الضحية والجلاد، كلهم يريدون الانتقال، كلهم يريدون الجنة، وهذا مؤسف بقدر ما هو مفرح، من سيتبقى إذا هنا فى الجحيم؟!"

بهذه المفارقة بين (حى غرب) و(حى شرق) ينسج "ماجد شيحة" عالمه الخاص فى روايته البديعة "المعبر" الصادرة حديثا عن "دار كيان".. عالم مختلف، يختلط فيه الواقع بالخيال، وكلما اقتربت من اقتناص علامة لمكان تعرفه على أرض الواقع مثل البرج أو الكوبرى أو الفندق، هرب منك المؤلف بذكاء، وكأنه ينبهك "لا تلعب معى، إنه عالمى الخاص، عالمى الذى يتشابه مع كل الأماكن والأزمنة والضمائر والألاعيب الفاسدة منذ بدء الخليقة".

(حى غرب) هو الحى العشوائى، الجاهل، الفاسد، الذى تجرى فيه الناس زرافات بحثا عن لقمة العيش الممزوجة بالفساد والخداع. الكل يعيش فى هذا الحى يراوده أمل واحد أن ينتقل إلى (حى شرق). و(حى شرق) هو الجنة الموعودة والمجهولة، هو المدنية والتحضر والجمال، هو العالم الذى لا يدخله الفساد ولا الكذب ولا الغش، هو المال الوفير والسكن الفاخر والعمل المريح. والغريب أنه لا أحد قد رأى (حى شرق) من قبل، رغم أن كل ما يفصله عن (حى غرب) هو كوبرى، أو فلنطلق عليه اسم الرواية.. المعبر.

(حى شرق) ينظم دوريا مسابقة لسكان (حى غرب) تتيح لمن يفوز بها أن ينتقل إلى نعيم الأول مودعا جحيم الثانى، إما كبادرة للشفافية والمساواة وحق الجميع فى العيش الكريم، وإما كخداع استراتيجىّ ليبقى كل السكان المطحونين دائما قابضين على أمل الرحيل إلى الجنة الموعودة.

البطل (عبد الرحمن) يقع عليه الاختيار بعد أن تم دهسه أو إصابته فى الطابور الممتد للوصول إلى لجنة الاختيار، ولكن مع كل لحظة يعيشها بعد هذا التاريخ ليستعد للرحيل بين العلاج من إصاباته وتجهيز أوراقه يكتشف حقائق مفزعة، عن (حى غرب) الذى عاش فيه، وعن (حى شرق) الذى سيعيش فيه خلال أيام ولم يره أحد من قبل.

أحالتنى هذه الرواية فورا إلى رواية (الواجهة) للعظيم (يوسف عز الدين عيسى)، فإذا كانت (الواجهة) تتخذ من حياة الإنسان حتى موته مسرحا للأحداث عبر شخصيات بلا أسماء وإنما بحروف مثل (س) و(ع) فى عالم خاص، فإن (المعبر) قد اتخذت من رغبات الإنسان وتطلعاته المتلاقية مع عالم فاسد يمتلئ بالاستغلال والكراهية مسرحا فى عالم خاص أيضا.

يكتب (ماجد شيحة) فى هدوء، لا يثير ضجيجا ولا تستهويه المعارك الأدبية بين شباب الروائيين، يترك روايته فى يد القارئ ويمضى، وربما كان هذا سر خفوته النسبىّ عن ترشيحات البعض لأهم الروائيين الشباب، ولكن (المعبر) أخجلتنى من نفسى، لأننى ترددت قديما فى البدء فى قراءة أعماله السابقة، ولكن أن تأتى متأخرا خير من أن لا تأتى أبدا.

ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38