رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
هبة صقر
هبة صقر

بُقعتي الآمنة «قصة قصيرة»

الأحد 10/مارس/2019 - 01:48 م
طباعة
أهبط السلم مسرعة تاركة طفلى لأبتاع أشياء ضرورية للمنزل ولأعمالى اليدوية التى أجد نفسى فيها قبل أى شىء.. أشغل فكرى قبل أصابعى بها.

أرتب أفكارى مرددة: أحتاج خيوطا زرقاء لأمل وبرتقالية لندى، وثالثة بنية اللون لحقيبة سارة.

أعد على أصابعى وأنا أسرع الخطى محدثة نفسى مرة أخرى: عقيق أسود، لولى مقاس ثمانية، كريستال ذهبى، ولا تنسى أن تمرى على الصيدلية لصرف دواء الاكتئاب من جديد.

يرانى صاحب محل الخيوط فيبتسم.. أبتسم ويدق قلبى.. أتأمل ملامحه وأتذكر زوجى الثانى.. ارتبكت وأنا أتناول لفات الخيوط الملونة من أمامه محاولة السيطرة على رعشة أصابعى, ذقنه وثيرة دافئة كما كانت ذقن إيهاب.. لطالما تمرغت بين ذراعيه مقبلة ذقنه المحببة لقلبى وأنا أتحسسها فى شغف ولهفة.

شغف؟! لهفة؟! مفردات هى أشبه الآن بالعنقاء والخل الوفى. كيف تحول شغفى وولهى به لذاك الدمار؟. 
تنهدت وأنا أهز رأسى نافضة عنه تلك الأفكار، لماذا أتذكر كل هذا الآن؟.

أكاد أختنق وأنا أتذكر علاقتنا المبتورة المستنزفة لطرف واحد هو أنا.. دمعت عيناى، تشاغلت بالبحث عن أشيائى.. أتنفس ببطء وأعد حتى الرقم عشرة كى أتناسى التفكير فى إيهاب، أنتهى من ابتياع ما أرغب وأفر مسرعة مانعة البائع من المزيد من التلاطف.

أردد بداخلى: كلهم سواء، تنتابهم الوداعة طالما الأمر يتعلق بامرأة لا يمتلكونها.

أمر فى عجالة على بائع خامات الإكسسوارات، ألتقط فرعا من كل حجر ينقصنى ورددته على نفسى عشرات المرات طوال الطريق، أمنح البائع نقوده، وأجرى مسرعة لأنتهى من مهامى.. ممنية نفسى بكوب دافئ من النسكافيه.

أستقل تاكسيا، يلتقط أنفى رائحة الدخان، ينقبض صدرى متذكرة زوجى الأول عماد; لطالما كرهت الدخان ورائحته، قبله..، وأكثر بعده.

يصيبنى مظهر الرجال ممسكى السجائر بالغثيان، أفقد احترامى لهم فى التو واللحظة، أكرههم وأكره صانعى السجائر حينما أتذكر مذاقها بين شفتى وقت كان يقبلنى عماد، كرهت عمرى كله معه.

أحتضن حقيبتى مطلة بعينى خارج النافذة، أحاول استنشاق الهواء النقى - إن وجد - أتمتم فى سرى بأذكار لقنتنى إياها صديقتى لأبعد عنى الوساوس والأفكار السلبية، أشغل نفسى بالتفكير فى بقعتى الآمنة.
 تمر وجوه المارة مسرعة أمامى، ولكننى ألمح خباياها رغم كل شىء، يسارع خيالى البائس إلى نسج قصص تماثل أطياف الحزن بأعينهم.

أتنهد فى قوة وأنا أهز رأسى دامعة العينين مرة أخرى، أتوقف تماما عن النظر فى وجوه المارة بعد أن أضحت إحدى هواياتى المفضلة اختلاق هموم تتناسب وملامحهم المثقلة الحزينة.. وكأن ذاك ما كان ينقصنى.

أزفر بعمق.. أهبط من التاكسى.. أمر بالصيدلية المجاورة للمنزل، أرسم على وجهى أمارات الصرامة والبجاحة إن أردت التعبير بدقة، أخرج الروشتة من جيب معطفى وأمد يدى بها للصيدلى فى قوة.

مازال يصر على رسم نفس التعبير الهازئ ناظرا إلى بطرف عينيه وهو يخرج المهدئ المدرج بلائحة المخدرات من درج المكتب.

لست أدرى كيف لصيدلى أن يصرف دواء لمريض بتلك النظرات المقززة، التى تجعله يكره حياته أضعاف ما كرهها ليصل لهذا الدواء، لماذا لا يختبرون حالتهم العقلية والنفسية قبل أن يمنحوهم شهاداتهم الإنسانية المزعومة؟!.

أتناول الأدوية، وأعيد طى الروشتة ووضعها فى جيبى، أفر من أمامه ومازلت حريصة على رسم نفس تعبيرات وجهى المتحدية دفاعا عن مرضى دون خجل.

أعاود الركض، أتجه للبقال، أبتاع ما أريد من طلبات منزلية، وأهرول مسرعة.. أضغط جرس المنزل من الأسفل طالبة من طفلى الهبوط لمساعدتى فى حمل ما أحضرت.

أتأمل ملامحى المنهكة فى المرآة المعلقة على جدار المنزل من الداخل، أتناسى أفكارى وأبتسم فور أن أرى طفلى وأقسم الأكياس على ثلاثتنا.

نصعد سويا، أفض الأغلفة عن ألواح الشيكولاتة التى وعدتهما بها، أعد قدحا من النسكافيه ونجلس سويا.
تلك البقعة الدافئة من النور.. هى وطنى الصغير، منزلى الآمن، حدود نفسى وكيانى، ألوانى وأقلامى وخيوطى.
تلك البقعة المضيئة وسط الظلام الدامس هى أنا.

أحتضن طفلى لأختبئ من العالم بداخلهما.. فى قلب بقعتى الصغيرة الدافئة.. البقعة الآمنة الوحيدة.. قلب طفلى.
ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38