رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
محمد توفيق
محمد توفيق

«أهو ده اللي ثار..وأدي اللي صار»

الأربعاء 06/مارس/2019 - 03:28 م
طباعة
فوجئ قراء جريدة «الأهرام»، في صباح يوم التاسع عشر من يناير، بمساحة بيضاء في صدر الصفحة الأولى، وتحديدًا في العمودين الأول والثاني المخصصين للحديث عن الأحداث الكبرى.

وأدرك القراء أن الرقابة التي فرضتها الحماية البريطانية على الصحف هي التي حذفت تعليق «الأهرام» على الأحداث، وأن عدم ذكر الجريدة طوال الشهرين الماضيين لما يجري في مصر من حملة لجمع التوقيعات كان بسبب الرقيب الإنجليزي.

وقد تكررت المساحة البيضاء في الصفحة الأولى أيضًا، وفي نفس المكان في السابع والعشرين من يناير.

ولم يعد أمام «الأهرام» -حتى لا تتم مصادرتها- سوى أن تقوم بترجمة المقالات التي تنشرها الصحف الإنجليزية عما يحدث في مصر، فقد قامت الجريدة بترجمة مقالات الصحف الإنجليزية التي تناولت الحركة الوطنية، ومنها المقال الذي نقلته عن «التايمز» البريطانية، والذي جاء تحت عنوان:

 البحث في مصر ومستقبلها

ونقلت أيضًا «الأهرام» مقالًا عن «السفنكس» البريطانية بعنوان «الري في مصر والسودان» وصلة ذلك بالحركة الوطنية، وذلك للتحايل على الرقابة الصارمة التي فرضها الاحتلال على الصحف المصرية.

وفي الأول من مارس فوجئ الناس بقبول السلطان «أحمد فؤاد» استقالة رئيس الوزراء «حسين رشدي».

وفي تمام الساعة الثالثة عصر يوم السبت، الثامن من مارس، تم اعتقال سعد ورفاقه: إسماعيل صدقي، ومحمد محمود، وحمد الباسل، وباتوا ليلتهم في ثكنات قصر النيل، وفي اليوم التالي تم نقلهم إلى بورسعيد في قطار 11 صباحًا، ومنها إلى جزيرة مالطة.


وفي صباح يوم الأحد، التاسع من مارس، اندلعت ثورة 1919، وامتنع طلبة الحقوق عن حضور المحاضرات، وقالوا: «لن ندرس القانون في بلد يداس فيه القانون».

وفي اليوم التالي نشرت صحيفة «الوطن» تقريرًا جاء فيه: «إن بعضًا من طلبة المدارس والعاطلين عن العمل قاموا بحركة شغب، فطافوا بعض الأحياء، واعتدوا على بعض المحال التجارية، وعطّلوا سير الترام في بعض الطرق، فأوفدت حكمدارية العاصمة نفرًا كبيرًا من رجال بلوك الخفر السواري والبيادة، فشتتوا شمل المتجمهرين، وبذلك عادت السكينة إلى نصابها».

وخرجت «الأهرام» لأول مرة تتحدث عن أحداث الثورة في الصفحة الثانية تحت عنوان:

القبض على سعد باشا وثلاثة من الوجهاء وإبعادهم إلى مالطة.

وقد نص الخبر على الآتي: «اعتُقل أول من أمس حضرة صاحب المعالي سعد زغلول باشا وحضرات أصحاب السعادة إسماعيل صدقي باشا، ومحمد محمود باشا، وحمد الباسل باشا، وأُرسلوا جميعًا إلى مالطة».

والملاحظ أنه قد تم حذف العمود الأول من الصفحة الأولى من هذا العدد، وكان مفهومًا أن له صلة بنبأ القبض على سعد زغلول ورفاقه، وبدأت «الأهرام» تتابع أحداث الثورة؛ لكن دون أن تثير غضب الإنجليز حتى لا تتم مصادرتها.

وفي اليوم التالي نشرت «الوطن» مقالًا بعنوان:

ليقلع الشباب عن هذا التعصب!

وجاء في التفاصيل: «إن حوادث العاصمة خلت من الحكمة والتبصر، وإن مصر إنْ قُدِّر لها أن تنال أمانيها العادلة فلن تنالها عن طريق الحركات العنيفة على الإطلاق».

وفي نفس اليوم نشرت جريدة «المحروسة» خبرًا بعنوان:

مظاهرات الطلبة

وجاء فيه: «إن هذه المظاهرات ظلت مقرونة بالنظام والسكينة، ولكنّ فريقًا من غلمان الأزقة والرعاع اندسّوا بين مواكب الطلبة».

واتفقت جريدة «الأفكار» مع ما جاء في جريدة «المحروسة»، بينما نشرت صحيفة «وادي النيل» خبرًا بعنوان:

 القبض على قادة «الوفد»

وفي يوم الثلاثاء، الحادي عشر من مارس، تصدَّر الصفحة الأولى من «الأهرام» مقال تحت عنوان:

مظاهرات الطلبة المصريين ومنكرات سواهم

حاولت «الأهرام» أن تُمسك العصا من المنتصف، فقد نشرت رأي الإنجليز في ما يجري، ووصْفهم أحداث الثورة بأنها تخريب، والثوار بأنهم من الرعاع، وفي الوقت نفسه دافعت «الأهرام» عن الطلبة الذين خرجوا للتظاهر، وأكدت أن مظاهراتهم اتسمت بالسلمية، بينما الرعاع والقرويون هم من قاموا بأعمال العنف والتخريب.

وقالت الجريدة: «إن غلمان الأزقة والرعاع انتهزوا فرصة المظاهرة، ومدوا يد الاعتداء إلى الترامواي، أما اللصوص فهؤلاء أمرهم معروف في كل يوم في قطارات الترامواي، والشوارع، والمخازن، وفي دفتر البوليس كل يوم جدول طويل بأعمال الخطف، والسلب، والنهب».

وأبرزت «الأهرام» خبر القبض على خمسة وعشرين من «الرعاع واللصوص» -على حد تعبيرها- من أبناء الأحياء الشعبية: زينهم، وعشش الساقية، ودرب الساقية.

وفي نفس اليوم بدأت جريدة «مصر» تنشر أخبار الثورة في الأقاليم، وتتابع عن كثب ما يجري في مظاهرات دمنهور، وطنطا، والإسكندرية، وغيرها من المدن، ولذلك حذفت الرقابة ثلثي العمود الرابع بالصفحة الثانية، وظهرت المساحة بيضاء أمام القراء.

وفي نفس اليوم خصصت جريدة «الأخبار» نصف صفحتها الأولى لأخبار الثورة، وقد حذفت الرقابة نصف الأعمدة الأول والثاني والثالث والرابع، وبدا واضحًا للقراء أن الجريدة تناصر الثورة قلبًا وقالبًا.

واتخذت صحيفتا «الأهالي» و«وادي النيل» نفس موقف صحيفة «الأخبار» وأيّدتا الثورة، ووصفتا مظاهرات الطلبة بأنها سلمية وهادئة.

وفي اليوم التالي ظهرت صحيفة «المنبر» وبها مساحات بيضاء كثيرة، مما يدل على أن الرقيب رأى أن الصحيفة مؤيدة للثورة، وتنشر أخبارًا إيجابية عن مظاهرات الطلبة.

وعلى الجانب الآخر نشرت الصحيفة الإنجليزية «الإيجبشيان جازيت» مقالًا بعنوان:

 الاضطرابات في مصر

وهاجمت الجريدة الطلبة، وألقت باللوم على السياسيين المصريين، واتهمتهم بتحريض الطلبة وبعض الجهلة من الأهالي -على حد تعبير الصحيفة- على التظاهر، والاصطدام برجال الجيش والبوليس.

وفي السادس عشر من مارس، انطلقت أول مظاهرة نسائية في تاريخ مصر، وضمت نحو 300 سيدة، وقد كتبت صحيفة «الأفكار» خبرًا يقول: «تلقت أقسام البوليس إشارة تليفونية تفيد أنه عُلم أن بعض السيدات عازمات على القيام بمظاهرة سلمية، فلا يجب التعرض لهن مطلقًا».

وفي اليوم التالي نشرت «الأهرام» أن مواكب المظاهرات مرت بجوار مبناها، وقام المتظاهرون بتحية الجريدة على مواقفها، والدعاء للعاملين بها، وأبرزت الجريدة المظاهرة النسائية تحت عنوان:

 مظاهرة السيدات

وفى الثامن عشر من مارس، أصدر القائد العام الإنجليزي بيانًا عن انتشار أعمال الثورة في الأقاليم، ووصف القائمين عليها بالرعاع.

وفي نفس اليوم خصصت «الأهرام» العمود الأول من الصفحة الثانية لأخبار الثورة واختارت له عنوان:

 الأهرام... جريدة مصرية للمصريين

كأن الجريدة أرادت أن تبرّئ ساحتها، وتدافع عن نفسها، وتبرر موقفها، وتؤكد أنها مُرغمة على ما تفعل، وأنها تؤيد الثورة رغم أنها تنشر بيانات سلطة الاحتلال.

وفي ذات اليوم أعلنت مدينة زفتى الاستقلال، وأصدرت صحيفة سمّتها «الجمهورية»، وكانت تُطبع في مطبعة «محمد عجينة» وتهاجم الاحتلال.

وفي العشرين من مارس، أحكم الاحتلال البريطاني قبضته على الصحف، فظهر أغلب الصحف وبها مساحات بيضاء في أغلب صفحاتها، وأرسلت القيادة العسكرية بلاغات إلى الصحف تصف فيها المتظاهرين بالرعاع، والغوغاء، والمشاغبين، ونشرت تلك البلاغات صحف «الأمة» و«الوطن» و«المقطم» التابعة للاحتلال.

وفى الثامن والعشرين من مارس، كتب مراسل «الأهرام» في الشرقية تقريرًا حذَّر فيه من خطورة تحرك الفلاحين، وأن عمل الرعاع في المدن ينتهي بانتهاء المظاهرة، أما الحاصل في البلاد فعليًّا فهو تأليف عصابات منتظمة للنهب نهارًا بعمل محرضين سيِّئي القصد.

وفي الحادي والثلاثين من مارس، طالبت صحيفة «الإيجبشيان جازيت» باستخدام الشدة في مواجهة المصريين لإخماد الاضطرابات.

وفي اليوم الأول من أبريل، حذف الرقيب المقال الافتتاحي لجريدة «الأفكار» والذي كتبه رئيس تحريرها «سيد علي» في الصفحة الأولى.

ونفس الشيء تكرر مع صحيفة «الأهالي» ورئيس تحريرها «عبد القادر حمزة»، فقد تم حذف أغلب الأخبار والمقالات في الجريدة، وبدا أغلب مساحات الجريدة بيضاء من غير سوء.

واحتجاجًا على ما تفعله سلطات الاحتلال، أعلنت صحيفتا «المنبر» و«الأفكار» الاحتجاب يوم 3 أبريل، واستمرت «المنبر» في احتجابها ثلاثة أيام متواصلة.


وفي الثالث من أبريل، نشرت جريدة «الأهرام» خبرًا يقول: «إن جمهورًا كبيرًا من موظفي الحكومة في القاهرة انقطعوا عن العمل أمس، ونذكر منهم موظفي وزارات الحربية، والمعارف، والزراعة، وتضامنًا معهم تعلن (الأهرام) احتجابها غدًا لاتحاد عواطفها بعواطف الجمهور».

وردًّا على قيام بعض الصحف بالاحتجاب، أصدرت السلطة العسكرية أمرًا بتعطيل صحيفتي «مصر» و«المنبر»، وإغلاق مطبعتيهما، وطالبت بإقالة رئيسي تحرير الصحيفتين، فتقدم «عبد الحميد حمدي» باستقالته من رئاسة تحرير «المنبر» واستقال «ميخائيل بشارة» من رئاسة تحرير جريدة «مصر».

وفي يوم 4 أبريل، أرسل المعتمد البريطاني «اللنبي» رسالة إلى السلطان «أحمد فؤاد» جاء فيها: «إن الصحافة المتطرفة التي تتحدث باسم المتطرفين، تؤثر عليهم وتزداد كل يوم في نغمتها التي تتسم بالعنف».

وتجاهل «اللنبي» أن الرقيب يقوم بحذف أغلب ما تنشره الصحف الوطنية عن الثورة.

وبعد يومين نشرت صحيفة «وادي النيل» حوارًا أجراه الصحفي «محمود أبو الفتح» مع الجنرال «اللنبي»، وسأله «أبو الفتح» عن رأيه في مطالب المصريين، فرد الجنرال قائلًا: «لم يتقدم المصريون بمطالب إلينا، ولم يصلني سوى تقرير الوطنيين -يقصد سعد زغلول ورفاقه- وسأقوم بفحص التقرير عندما تعود السكينة إلى البلاد».

في اليوم التالي السابع من أبريل بشّرت «الأهرام» القراء من خلال تصريح من المندوب السامي البريطاني بأنه قد صدر قرار بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه، والسماح لهم بالسفر لبدء مفاوضات الجلاء.

ومع اندلاع الثورة أعاد الشاعر «بيرم التونسي» إصدار جريدة «النجاح» التي تمت مصادرتها، لكن السلطة كانت يقظة بما يكفي، وقامت بمصادرة الجريدة مرة أخرى بصورة نهائية بعد صدور عدد واحد فقط.

فاتجه «بيرم» لإصدار صحيفة جديدة يسخر فيها من السلطة، وقرر أن يُسمي صحيفته الجديدة «الخازوق».

و«الخازوق» واحدة من أربع صحف أصدرها «بيرم التونسي» خلال تلك الفترة، تحايلًا على السلطات، وسخريةً منها، وتهكمًا عليها، واختار لها هذا الاسم حتى تصل رسالته إلى الناس بمجرد معرفة اسم الجريدة، لذا كان من الطبيعي أن تطاردها السلطة، وتكرهها، وتصادرها فور صدورها.

لكن مطاردة السلطة لصحف «بيرم التونسي»، لم تجعله ييأس بل ظل يلاعب السلطة ويسخر منها ومن أساليب قمعها، ويساند الثوار، ويهاجم الاحتلال والحكام وحاشيتهم ومنافقيهم، فكلما صادرت السلطة واحدة من صحفه فاجأهم بصحيفة أخرى، أشد وطأة وأكثر قوة وأعلى صوتًا، وحين تم منعه من إصدار الصحف تمامًا قرر أن يصدر «المسلة».

ولهذه المجلة قصة...

ففي يوم الأحد، الرابع من مايو، أصدر «بيرم التونسي» العدد الأول من مجلة «المسلة»، ويبرر «بيرم» سبب اختياره لاسم المجلة قائلًا: «أردت أن أشارك الثورة، وطبقت فرخ الورق على ثمانية أوجه، وسميته المسلة، ولما كان دون رخصة كتبت في الرأس (المسلة لا جريدة ولا مجلة)».

وكانت افتتاحية المجلة عبارة عن زجل على وزن أغنية شامية مشهورة:

مرمر زماني يا مرمر

قلبي تَولّع في هواك يا أسمر

وعلى صفحات «المسلة» سخر «بيرم» من زواج السلطان «فؤاد» من الملكة «نازلي»؛ فتمت مصادرة «المسلة».

ولم يكن الفن بعيدًا عن ميدان الثورة، بل كان في قلبها، فالشعراء صاروا ينْظمون أغاني ظاهرها الغزل وباطنها الثورة، ويُلحنها فنان الشعب «سيد درويش»، وتغنيها السلطانة «منيرة المهدية»، ومنها:

شرفك لو ضاع منك واتْهان

منين تجيب غيره بكره

وإنْ عِشْت عِيش حُرّ ومِنْصان

وإنْ مُتّ خلّي ده ذكرى

ورغم الحصار الذي فرضه الإنجليز على الملاهي الليلية، فإن ملهى «نزهة النفوس» الذي تملكه «منيرة المهدية» ظل مفتوحًا، وغنّت فيه:

شال الحمام حط الحمام من مصر لمّا للسودان

زغلول وقلبي مال إليه أنده لما أحتاج إليه

وغنّى الناس أيضًا:

يا بلح زغلول يا حليوه يا بلح

والمقصود بتلك الغنوة هي تحية «سعد زغلول» رغم منع سلطات الاحتلال ذكر اسمه.

وفي الثامن عشر من ديسمبر أصدرت إدارة المطبوعات بيانًا إلى الصحف تنذرها فيها بالتعطيل إذا نشرت شيئًا يثير شعور العامة ضد الحكومة أو الإنجليز، ولم يصدِّق عليه الرقيب.

وقد اجتمع أصحاب الصحف واحتجّوا على القرار، لكنهم لم يستطيعوا أن ينشروا شيئًا في صحفهم عن هذا الاجتماع ولا الاحتجاج، ولم يستطيعوا مخالفة القرار.

وفي ظل ارتفاع درجة حرارة الأحداث، وقف الجميع أمام واقعة كاشفة للتغيرات التي أحدثتها الثورة في نفوس المصريين، وتفاصيل الواقعة تقول إن أحد أبناء «بطرس باشا غالي» -الذي تم اغتياله على يد أحد الشباب الوطنيين- شارك مع المحامين في الثورة ضد الإنجليز، وعندما سأله أحد قادة الاحتلال قائلًا: «كيف تضع يدك في يد قتلة والدك؟»، فأجاب: «أضع يدي في يد من قتلوا أبي، ولا أضعها في يد من قتلوا وطني».

وفي العام التالي حدثت محاولة اغتيال أخرى!
ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38