رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
ads
ads
ads
أحمد عطاالله
أحمد عطاالله

كيف تقرأ خالد إسماعيل؟

الإثنين 18/فبراير/2019 - 02:34 م
طباعة
«محمد حمدى سليم إحجازى حسن إحجازى عوض عامر الفزاره، من قبيلة بنى فزاره، مركز مغاغة، سوهاج».
يعتز بائع الألومنيوم الذى قابلته صباحاً، باسمه، وعائلته، وتاريخ قبيلته، من أجل ذلك لا يبيع الألومنيوم داخل بلدته، لانه حفيد الفزاره!.

«المثل عيقوله الكبار، البلد اللى متعرفكش أقلع فيها وارمح، وزى ما تقول كل واحد فى بلده معروف، دا كذا ودا كذا».

لذلك، يترك أولاده وبلدته، بالعشرين يوما، يعيشها وحماره متجولان فى قرى دشنا، «عنروح الميات ونجع عبدالقادر والجميزة والعطيات والغرابوه والفاوية والطبابخه والحراجية والسمطا والحجيرات والقناوية وأبودياب لغاية أبومناع»، وآخر اليوم يبيت فى مكان يستأجره فى «أولاد عمرو».

فى المساء، كنت أفكر فى سيكولوجية هذا الرجل، وأنا أقرأ رواية خالد إسماعيل الأحدث، «عرق الصبا»، الصادرة عن دار العين، معرض القاهرة الدولى للكتاب.

وفى الرواية، القبلية هى العنصر الأبرز، على أساسها تكونت «نزلة بركات»، ونجوعها الأربعة، «نجع الخولى، ونجع العرج، ونجع الغازية ونجع القرد»، محور الشخصيات والأحداث.

لأسبوع، ظلت الرواية فى حقيبة كتفى أتنقل بها، ما بين قنا وأسوان، أقرأ منها صفحة صفحتين ثلاثا، فأجد كثيرا منها فى وجوه وحكايات من أقابلهم، فهى مكدسة بالبشر رغم صغر حجمها، 108 صفحات.

لا يمكن فهم الشخصية الصعيدية، بأبعادها الواقعية، إلا بفهم سيكولوجية القبائل العربية، التى استوطنت الصعيد، بالرضا أو بالقوة، بفهم محيط أثرها فى المكان والسكان الأصليين، وتأثروها به وبهم.

وهو عالم كبير ومعقد، له مفرداته ورموزه.

فى تلك المساحة الخاصة جدا والمهمة، تبرز قيمة أعمال خالد إسماعيل، منذ «درب النصارى»، المجموعة القصصية التى نشرها عام 1997، وحتى «عرق الصبا»، دون استثناء، حتى تلك التى دارت فى أماكن أخرى، بشخصيات بعيدة كـ«زهرة البستان» و«26 إبريل»، تحمل رؤية ابن القبيلة لتلك العوالم والحيوات التى تناولتها.

من أجل ذلك يمكن اعتبار «عرق الصبا»، فصلا جديدا فى مشروعه الإبداعى، الذى يجعل من الشخصية القبلية، محورا، يقدمها بكل ما لها وما عليها، بفضائحها قبل فضائلها، بنظراتها الخفية لبعضها البعض.

«سبحان الله، عزت ولد خيريه الخياطة، يبقى قاضى ولا وكيل نيابة ويترسم الرسم ده كله على خلق الله، أنا ريته عشيه، لابس البدلة والنضارة والشنطة، وماشى على طريق (نجع العرج)، ولو شفته تحلف ميت يمين أن ده من (بيت كبير)، وهوه يعنى المرحوم أبوه كان بياع ملوحة، وجده قبيصى كان مراكبى يلم الرغيف والبيضة من الناس، وكان حافى، وأمه يعنى مفيش داعى، من مكنة الخياطة لبلاص الملوحة، سبحان العاطى الوهاب».

القبيلة أهم من المنصب، عائلة الفرد، أهم من إنجازه الشخصى فيها، تاريخها هو التاريخ الشعبى لتقييمه، ومصالحها أهم من مصلحته الخاصة.

يُقسم خالد إسماعيل روايته لثلاثة أجزاء، فى الجزء الأول، يجمع التاريخ الشعبى العام لتأسيس «عزبة بركات»، وهو يضفره مع قراءاته الخاصة للتاريخ، ويحدد موقعه منها كراوٍ: «كانت طفولتى فى (نجع القرد) صعبة قاسية، فالقانون الذى يحرك عيال النجع هو قانون القوة وقرابة الدم».

وفى الجزء الثانى، يستعرض طبيعة العلاقات بين الناس، كيف ينظرون لبعضهم البعض، وكيف يحول الزمن الأبدان من كبيرة إلى صغيرة، ومن صغيرة إلى كبيرة، رغم محاولات أصحابها فى الحفاظ على المكانة.
وفى الجزء الثالث، يكشف لك إلى أى مرفأ وصلت شخوصه، رابطا بينها وبين التاريخ الذى قدمه عنها فى جزئه الأولى، وأوقعه أحيانا فى فخ التكرار.

وطوال الرواية خذ من خالد إسماعيل شخصيات خاصة جدا.

العمدة عبدالجبار، الذى قضى 10 سنوات فى الحكم، وهو يحاول أن يقيم العدل، فكان يحمل بندقيته كل ليلة ليطوف النجوع الأربعة غير مكتف ولا واثق فى خفرائه، وكان به «عرق الصبا»، الذى يجعله إذا غضب وضرب واحدا بكفه، رقد المضروب أياما طويلة.

والعدل الذى يريد أن يقيمه العمدة، هو عدل من وجهة النظر القبلية فقط، تلك الوجهة التى دفعته أن يفتح كرش فتاة من أقاربه، كانت قد هربت مع زميلها فى المدرسة، وأخطأت معه، فتح كرشها و«خلى إخواتها ياخدوا رمتها ويرموها فى الترعة».

قتل العمدة، لأنه هو نفسه قد تورط فى القتل.

وهناك القاتل المأجور الذى رفض قتل العمدة، رغم حصوله على الثمن، المائة جنيه: «أنت جايبنى عشان نقتل الراجل ده، دا كان صاحب أبويا، وياما قعدت معاه وكلت عيش وملح».

وحسان البعوكى، الذى لا يذكر اسمه الا ملحقا «الخباص، اللواص، ولد هاجر، الذى شاع عنه أن يضاجع (نسيمة الطماوية) زوجة أبيه».

وعزيزة الفيومية، زوجته التى تعلم ما بين زوجها و«نسيمة» ولم تقم الحرب بينهما.

وسميحة بنت شعبان النورى، بنت قبيلة «النور» أتباع «نورالدين زنكى» الذى حارب مع جيش صلاح الدين الأيوبى وقت نزوله الصعيد، التى أحبت عازف الربابة، وصارت راقصة فى كازينو مشهور بشارع الهرم، ثم أصبح معها ولدان، أحدهما ضابط فى الجيش والثانى طبيب فى مستشفى الشرطة.

وناظر المدرسة، الذى يدخن الحشيش ويطارد الأبلوات والمومسات.

وسعاد الصاوى، الرقيقة، التى يحبها الراوى – خالد إسماعيل نفسه-، والتى كانت مشاهده معها أكثر صدقا، من أى أجزاء أخرى فى الرواية.

«رأيتها واقفة أمام البوابة فى درب قبيصى، وهى التى بدأت بالسلام: إزيك يا عصام؟، فاقتربت منها وصافحتها، وعيناى منكستان إلى الأرض، وكتبت قصتى معها ضمن يوميات نشرتها جريدة الدستور، وقرأها زوجها –رئيس نيابة البدارى- وقابلنى مصادفة فى شارع الثورة بطهطا، وعاتبنى: عيب جدا لما تكتب كلام عن واحدة متجوزة عندها بيت وعيال، يعنى اللى يبقى صحفى، يفضح الناس كده على الملأ؟».

والكشف الفضائحى الذى يمارسه خالد إسماعيل فى معظم أعماله، وإن كنت شخصيا لا أستسيغه أحيانا، إلا أنه يسهم فى تقديم الخفية للشخصية الصعيدية، غير تلك الشائعة المغلفة بالفضيلة فى الغالب.


كانت لدى أسبابى التى تمنعنى من الكتابة عن خالد إسماعيل وروايته، رغم انتظارى لها، لعل أكثر ما فكرت فيه هو احتفاء الرجل بروايتى الأولى، الصادرة عن نفس الدار، ولأننى لست ناقدا ولم يسبق لى العمل كمحرر ثقافى، فلا أحب أن أبدو كمن يرد جميلا.

غير أن هناك مشهدا غيّر من الأمر، استوقفنى فيه ناقد أدبى، «يا نجم ما تكتب لنا كلمتين عن رواية خالد إسماعيل، متخانق مع كل الناس ومحدش عايز يكتب عنه».

يا نهار أبيض عالجملة.

أعتقد أن النقد الأدبى، لم يع بالكامل، أننا نعيش لحظة تاريخية سحرية لكتابة متنوعة فى مصر، لا تتكرر كثيرا، وأن لدوره قيمة أكبر من تلك التى يحبس نفسه فيها.

ومن يعرف خالد إسماعيل، يعرف أنه لم يترك بلدته «كوم العرب» بعد، وإن لم يزرها منذ سنوات بعيدة.
 لم يغير لهجته ولو على سبيل التجرية، ولم يحلق شاربه ولو من باب التجديد، ولم تنجح ثقافته العريضة وقراءاته المتنوعة، بأن تغير من طرق تعاطيه مع القاهرة، ربما لذلك لا ينزل من بيته بالسادس من أكتوبر، الا ليوم أو اثنين، يقضى فيهما حوائجه الضرورية، وربما لذلك، جاء إهداؤه فى «عرق الصبا» إلى «عائلتى الصغيرة التى أحتمى بها من قسوة الغُربة، زوجتى الطيبة وعيالى».

لم يترك خالد إسماعيل كوم العرب بعد، وفى ذلك، فضل من الله لو تعلمون عظيم.

فقد نجح فى تقديم الشخصيات المحلية للصعيد، كما هى، ليس باعتباره راوياً لها ولكن باعتباره شاهد عيان عليها، يفكر كما يفكر أبطالها، ويشعر بما يشعرون به.

فالقيمة الحقيقية فى أعماله يستمدها من أهمية المنطقة التى يعمل عليها، وقدرته على تقديمها بوجهة نظر بيئتها، ما يسهم فى فهم أشمل وأعمق للشخصية المصرية.

ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38