رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
ads
ads
حسام مصطفى إبراهيم
حسام مصطفى إبراهيم

قصة قصيرة| خبطة العمر

الأربعاء 06/فبراير/2019 - 07:16 م
طباعة

(1)

يتّصل بالمحاسب كل خمس دقايق:

- أنزل أقبض؟

- يا عم لسّه والله، لما أبدأ هكلّمك!

يتظاهر بالانهماك فى الشغل، فيما عيناه لا تفارقان سماعة الجهاز الذى سيحمل له الخلاص، حتّى تأتيه المكالمة السحرية، بعد نصف ساعة من الترقّب، فيتنهّد، وينزل من فوره. يطرق الباب ويدخل. المحاسب يبتسم ويقول له:

- اتفضّل يا سيدى، آدى مرتّبك، والسلفة اللى طلبتها كمان، مش عارف إنت هتعمل إيه بالفلوس دى كلها! الله يسهل له يا سيدى، شكلها جوازة جديدة!

لا يردّ، يضع الفلوس فى حقيبته، ويمضى.

 (2)

يتّصل بصديقه:

- جهّزت لى المبلغ اللى طلبته منك؟

- كلّه تمام، أنا فى انتظارك.

يركب تاكسى ويقابله، ويضيف ما حصل عليه منه، إلى الحصيلة النهائية.

 (3)

فى البيت، يطلب من زوجته أن ترافقه للغرفة الداخلية، بعيدًا عن أعين الأولاد، تتبعه بتوجّس، يخبرها أنه يمرّ بضائقة، ويريد أسورتها الذهبية.

تأخذها الشهامة لأوّل وهلة، فتهتف:

-  «أنا ودهبى كلّه تحت أمرك»

ثم تشعر بقليل من الندم والتوتر، وهى تتحسّس الأسورة لآخر مرة، قبل أن تسلّم أمرها لله، وتمنحها له.

 (4)

ينتظر حتى بعد منتصف الليل، ينزل متلصّصًا، يرنّ هاتفه، فيردّ بصوت هامس:

- فى الميعاد، ومعايا الفلوس.

يتقابلان فى بقعة ميّتة خلف محطّة رمسيس، لا يتحدثان كثيرًا، يتسلّمه منه ملفوفًا فى قطعة قماش متهرّئة. يمنحه كل ما معه، ويغادر راضيًا.

يذهب إلى منزله وينام هانئا وهو يحتضنه.

 (5)

فى الصباح، يستحمّ ويتعطّر، ويرتدى ملابس أنيقة، يلتهم إفطارًا أسطوريًا، يقبّل زوجته وأولاده، ثم يذهب إلى مكتبه، ويبدأ مراجعة مواضيع زملائه بابتسامة فارقته خلال السنوات الأخيرة من عمره. يكتب فى ورقة خارجية بعناية، اسم كلّ واحد فيهم، وعدد الأخطاء التى ارتكبها.

بعد أن يأخذ كفايته، يطلب قهوة مضبوطة من البوفيه، فتحضر فورًا، عكس المعتاد، يشعر أن الله يدعمه فى خبطة العمر التى يخطط لها.

يتّصل بأحدهم وهو يقول بهدوء:

- يا محمّد، هات عادل ومريم وماجدة وعلاء، وتعالوا اشربوا قهوة معايا فى المكتب.

يحضرون متوجّسين، فهم فى العادة لا يجرؤون على الحديث معه من تلقاء أنفسهم، يفاجئهم بابتسامته الساحرة، فيسترخون، وتنتقل إليهم عدوى الابتسام، قبل أن يتكلّم فى بساطة:

- يا محمّد، إنت ليه كاتب الانتخابات بهمزة قطع؟

- أصل...

- والحرّية من امتى بهاء مش تاء مربوطة يا مريم؟

- عشان...

- طيّب يا عادل يا حبيبى، ليه كاتب حتّى بياء شامية، مش ألف مقصورة؟

- يعنى أصل...

- مين قال يا ماجدة إن جمع يخت، يختات ويخايت؟

- كنت بـ...

- وآخر مرة أقول لك يا علاء إن اسمه الالتهاب السحائى مش السحاقى!

- يا ريّس أصل...

- وفيه حاجة اسمها «غرق أثناء تسبّحه يا ماجدة»؟

- أصل...

- وازّاى «قال المتوفّى والمتحدث الرسمى باسم المفصولين» يا محمد، هو إنت محمد ولا سيدنا عيسى اللى بيحيى الموتى؟!

- يا فندم كنت أقصد...

- مش أنا شرحت لكم القواعد دى قبل كده يا ولاد، بدل المرّة خمسين، ووزّعت عليكم ورق، وعملت لكم عرض باور بوينت كمان؟

فى نفس واحد:

- حصل يا ريس.

- طيب مش أنا قلت لكم إنى هنا فى خدمتكم، وأى حاجة تقف عليكم تسألونى؟

بنفس الصوت والحماس:

- أيوه يا ريس.

دون مزيد من تضييع الوقت، يصرخ فجأة:

 - أمّال إيه يا ولاد المَرَة؟!

يُخرِج المدفع الرشّاش المزوّد بكاتم الصوت -الذى دفع فيه كل ما يملك!- من قماشته المتهرّئة، ويفتحه فى وجوههم بلا تردّد، ويجزّ على أسنانه من المتعة، وهو يرى علامات الذهول على وشوشهم التى تتقلص بالألم، فيما تصدر عنهم حشرجات لطيفة للغاية، والرصاصات تمزّقهم  إربا، غير مأسوف عليهم.

مريم وحدها رفعت يدها فى آخر لحظة وقالت:

- ينعل أبوك.

 فعضّ شفته فى غيظ، وهتف مُصححًا، بينما يناولها حفنة أخرى سخيّة من الرصاصات:

- يلعن مش ينعل، حتى وإنتى بتموتى بَقرة!

يسود الصمت المهيب لحظات، بعد أن انتهت الحفلة. صمت برائحة الانتصار، يشعر بالرضا يجتاحه، وهو يتأمل الجثث الغارقة فى دمها، وأمام عينيه يُعرض شريط طويل من أخطائهم القاتلة وإهاناتهم التى لم تتوقف يومًا واحدًا للغة العربية، منذ وطئت أقدامهم الجريدة.

يتناول رشفة أخيرة من فنجانه باستمتاع، يغادر مكتبه متوجّها لغرفة أخرى فى المكان، يراجع الأسماء الخمسة الجديدة التى سيشرب معها القهوة بعد قليل.

ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38