رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد الشواف
د. عبدالمنعم سعيد
د. عبدالمنعم سعيد

مصريون سعداء

الثلاثاء 23/أكتوبر/2018 - 03:09 م
طباعة

أعلم أن كثيرين سوف يغضبون من عنوان هذا المقال، بل إن جماعة منهم سوف يرونه استفزازيا تغيب فيه المعرفة والتقدير لما تمر به البلاد من صعوبات وتعانيه من تضخم وغلاء، وفى العموم ظروف صعبة مرتبطة بمرحلة تحول حقيقية فى الاقتصاد ما زال الجميع ينتظرون ثمارها. ومع ذلك فإن ما أثار الموضوع لدى كان ما شاهدته خلال الأسابيع القليلة الماضية من موقعى الحالى فى مدينة بوسطن الأمريكية حيث توالت الأخبار والمشاهد المباشرة لآثار إعصار فلورنس، ومن بعده الآخر مايكل على سواحل الجنوب الشرقى حول ساحل خليج المكسيك.

يبدأ الأمر عادة بمولد الإعصار جنوب دولة كوبا فى المحيط الأطلنطي، ثم تبدأ تقديرات هيئة الأرصاد القومية فى وضع حالة الإعصار من 1 إلى 5، ولمن لا يعرف فإن الإعصار هو تجمع لرياح عاصفة سريعة تتعدى سرعتها 100 ميل (الميل 1.68 كيلومتر)، فكان فى فلورنس 120 ميلا، أما فى مايكل فكان 155 ميلا، ومع الرياح تأتى الأمطار الشديدة التى تعجز جميع أنواع الصرف عن صرفها فتبدأ فى صياغة نفسها إلى طوفان أحيانا ما يختلط بتسونامى ترتفع فيه مياه البحر فتغطى الساحل كله ويصير فى حالة غرق عميق.

هذه التركيبة المروعة تكنس فى طريقها المساكن والمصانع ومحطات الطاقة فإذا بمناطق بأكملها تعيش ظلاما دامسا. بالطبع فإن الولاية والدولة الفيدرالية تتدخل وتطالب سكان هذه المناطق بالرحيل، ومع التكنولوجيات الحديثة باتت إمكانيات الإنذار المبكر كثيرة، ولكن الفقراء من السكان، وهم ليسوا قلة، كثيرا ما يرفضون الرحيل فتكون النتيجة كثيرا من الضحايا فضلا عن الكثير من التدمير.

شاءت الأقدار منذ عام 2003 أن أسافر إلى الولايات المتحدة وولاية ماساشوستس ومدينة بوسطن خريف كل عام وبالذات خلال شهرى سبتمبر وأكتوبر. وبالصدفة البحتة كانت هذه هى الفترة التى تغضب فيها الطبيعة عادة إذا ما غضبت على النحو الذى أشرت إليه؛ ومنذ أعوام شاهدت دقيقة بدقيقة ما حدث فى فى إعصار كاترينا الذى غمر ولاية لويزيانا ومدينتها الكبيرة نيو أورليانز ودمرها تدميرا عندما انكسرت السدود التى كانت تحمى المدينة من أمواج البحر وطوفانه.

ولما كان التليفزيون لا يترك شيئا سواء كان من غضب الطبيعة أو غضب البشر فقد كانت المشاهدة مباشرة لأعمال السرقة والنهب التى تحدث، وقام بها بعض أفراد الشرطة، وقت اشتداد الكارثة. وفى العام الماضى فإن إعصار ماريانا غمر جزيرة بورتريكو ودمرها تدميرا شديدا لا تزال آثاره باقية حتى هذا العام، وبلغ عدد ضحايا الكارثة ثلاثة آلاف شخص.

وفى عامنا هذا فإن الإعلام لم ينقل فقط ما جرى على ساحل خليج المكسيك، ولكنه فى الوقت نفسه انتقل إلى ساحل آخر فى النصف الآخر من الكرة الأرضية على سواحل الجزر الإندونيسية حيث هبطت أعاصير وتوسونامى كانت من الشدة والارتفاع حتى بلغت قمم جبال وتلال وعندما عادت فإنها جذبت معها كتلا كبيرة من الطين لكى تدفن تحتها قرى ومدنا ومساكن كانت سياحية، وحتى وقت كتابة هذا المقال بلغ عدد الضحايا 2000 ضحية.

ولحسن حظى فإننى حيث أعيش على الساحل الشمالى الشرقى للولايات المتحدة لم أتأثر بمثل ذلك اللهم إلا مرة واحدة منذ سنوات حينما مر بالمنطقة بقايا إعصار «ساندي» الذى جاء من قلب المحيط الأطلنطى لكى يهاجم مدينة نيويورك وولاية نيوجيرسي، ولكنه عندما وصل إلى ولايتنا كان قد فقد قوة اندفاعه، ولم أشاهد من آثاره إلا أشجارا مخلوعة من جذورها أمام منزلنا.

إذا شاهدت كل ذلك بشكل دورى كل عام، كما تعلم أيضا أن منطقة الساحل الغربى للولايات المتحدة تشهد زلازل بصورة متكررة، كما أن حرائق الغابات تكاد تكون تقليدا مرعبا سنويا، وأن العلماء هنا لا يكفون عن القول إن الاحتباس الحرارى الجارى فى الكرة الأرضية حاليا ينبىء بأن أحوال الكرة الإضية لن تكون سعيدة بالمرة خلال الزمن المقبل، فلابد أن تشعر بالسعادة لأنك مازلت حيا.

مثل هذه الظواهر الطبيعية لا تعرف الغنى أو الفقر، كما أنها لا تعرف لا الطيب ولا الشرير، وليس لها علاقة بالتضخم أو الغلاء، هى تضع الإنسان أمام تحدى الحياة أو الموت، العيش أو الدمار. وأمام ذلك فإن المصريين لا بد أن يكونوا سعداء بشكل أو آخر عندما يعرفون عاما بعد عام أنه على الأرجح أن شيئا من كل ما سبق لن يلم بهم.

وفيما عدا زلزال عام 1992 فإن مصر لم تشهد زلزالا مروعا آخر، وفيما عدا بعض من السيول التى تأتى أحيانا بعد أن نسينا السيول السابقة إلى درجة إغلاق مخرات السيول بالمخلفات فإن الظواهر الطبيعية المدمرة غائبة عن المحروسة.

صحيح أن بعض المتشائمين يشيرون إلى أن الاحتباس الحرارى سوف يؤدى إلى غرق الدلتا، فإن مشاهدتى للسواحل المصرية حتى الآن لم يجعل هذا الأمر مانعا لكثير من السعداء المصريين من المكوث على السواحل طوال الصيف.

المسألة كما نرى نسبية فأمام ما يجرى كل عام للحياة والعمار سواء على ساحل المكسيك أو سواحل الجزر الإندونيسية ومناطق أخرى كثيرة من العالم فإن العيشة فى مصر لابد أن تكون سعيدة.

وإذا كان كل الخطر الذى يتعرض له المصريون هو الخوف من المطر الذى حل بالقاهرة الجديدة فأغرقها فى العام الماضى فإن الكآبة والتشاؤم يصبحان رفضا لنعمة الله التى حبانا بها.

كثيرا ما قصصت على أصدقائى كيف أننى كنت أكثر الناس سعادة عندما جئت إلى الولايات المتحدة للدراسة عام 1977 رغم أننى كنت الأكثر فقرا فى الدولة قاطبة بما فيها الأمريكيون من أصول إفريقية أو حتى الهنود الحمر، لأننى كنت استمتع بالمدينة النظيفة للغاية، والبحيرة رائقة الزرقة، والخضرة الممتدة حتى نهاية النظر، والأكسجين الذى يعطى الحيوية مع كل نفس.

فى مصر من الممكن أن نكون أكثر سعادة مما نحن عليه الآن لمجرد أننا مصريون حينما نكون جديرين بالبلد الذى نعيش فيه !.

نقلا عن جريدة الاهرام

ads
ads
ads
ads
ads
ads
القاهرة الطقس
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38