رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
محمد ابوالفضل
محمد ابوالفضل

لماذا تسبق القضايا الدينية السياسية؟

الإثنين 03/ديسمبر/2018 - 07:36 م
طباعة

 

هذا سؤال مهم طرحه أحد الأصدقاء على صفحته (فيسبوك) أخيرا، وتحول إلى محل اهتمام من جانب كثيرين، لأن القضايا الدينية بالفعل أصبحت تسبق غيرها من الملفات السياسية فى كثير من الدول العربية، وتحظى باهتمام قطاعات رسمية وشعبية واسعة، فضلا عن انخراط رجال الدين أنفسهم فى تفاصيلها بصورة أعادت لهم حيوية مفقودة.

المكانة التى يحتلها الدين فى وجدان المواطنين جعلته يعلو على غيره من الموضوعات المصيرية، وتجد البعيدين عنه أصلا ينتفضون بمجرد أن يقترب منه أحد بسوء، وهى فطرة تنتشر بوضوح فى المجتمعات الشرقية، ويبدو المواطنون فيها أكثر تدينا، ويستنفرون همهمهم بمجرد سماع كلام يسيء إلى المعتقدات التى شبوا عليها أو لا يتوافق مع قناعاتهم الدينية.

التنافس بين المؤسسات الدينية فى بعض الدول العربية، أدى إلى سباق فى أيهم يحظى بمكانة أكبر فى المجتمع، ومن يتمكن من فرض وصايته الرمزية، بدلا من المنافسة حول من يستطيع تقديم حلول عصرية مقنعة؟

تراجع دور جماعات الإسلام السياسى التى درجت على استثمار الدين وتوظيفه لمرام خاصة بها، لم يمنع الشيوخ المعتدلين من ممارسة الدور ذاته، ووجدوا فى الخطاب التونسى بشأن المساواة بين الرجل والمرأة فرصة للجدل، دون مراعاة للخصوصية التى جعلت المجتمع هناك يفتح الباب لمناقشة القضية وجعل المساواة اختيارية.

الجفاف السياسى الحاصل فى دول عربية كثيرة لا يتواءم مع تنامى الصراعات والأزمات والتحديات، ويسهم بدور كبير فى سخونة الحوارات الجارية حيال أمور دينية متعددة، ويسمح للشيوخ بأن يتقدموا الصفوف ويدلوا بآرائهم فى قضايا صاخبة، بعضها يستحق تبادل وجهات النظر، وغالبيتها مفتعل ولا يستحق الوقوف عنده، وتمت إثارته من باب عدم التخلف عن المشاركة وتأكيد الحضور.

هناك من يتعاملون مع قضايا دينية شبه محسومة أو بحاجة إلى توضيح بسيط، على طريقة من يعيدون اختراع العجلة، أو كأنهم دخلوا غمار معركة مع أطراف معادية، الانتصار فيها يحسم الوزن والأهمية المجتمعية، وهو ما أدخلنا فى حالة غريبة من الاستقطاب، كان كثيرون اعتقدوا أنه ذهب بلا رجعة مع خفوت صوت الحركات الدينية فى المجتمع.

الواضح أن الهوس بالقضايا الدينية لم يعد مقصورا على المسلمين، بل شمل فئات من المسيحيين، فقد سمعنا لأول مرة عن مناقشة قضايا مهمة خارج جدران الكنيسة، ومع أن هذه مسألة لها جدواها وقيمتها المعنوية فى سياق التفاعل المجتمعى وحقوق المواطنة وتخفيف حدة الكهنوت، غير أنها نكأت جراحا وجد البعض فيها ضالتهم للنيل من آخرين.

مناقشة القضايا الدينية بعقل مفتوح وبدون مواقف وأحكام مسبقة، تمثل إضافة نوعية لأطياف المجتمع، لكن المشكلة أنها تدخل فضاء ضيقا يخرجها عن سياقها الإيجابي، فهناك من يحاولون لى أعناقها لصالح أفكارهم، ومن يستخدمونها لأغراض أيديولوجية، دون اعتداد بالمكونات التى تتماشى مع روح العصر ومقتضياته.

لست بصدد الحكم على صواب أو خطأ فريق معين، أو الدخول فى جدل من يحق له أن يدلى بدلوه فى أمور دينية، لكن الموضوع خرج من حيز المختصين إلى عموم الناس، فإذا كان رجال الدين منقسمين على أنفسهم، فالكثير من المواطنين يؤيدون فتوى بعينها ويدافعون عنها، فى مواجهة من يتبنون رأيا مختلفا، بما زاد من درجة الانقسام، ما يستلزم وقفة للمراجعة.

بعض الحكومات العربية وجدت فى الخلاف حول تجديد الخطاب الدينى وقضايا الميراث وحظر النقاب فى الأماكن العامة وجدوى الكشف عن جسد المرأة خلال فترة الخطبة وغيرها، ملاذا لشغل الناس والنخب بملفات مثيرة، ربما تنسيهم أزماتهم الاقتصادية وهمومهم السياسية، وتأتى تصرفات بعضها، عن قصد أو بدونه، لتزيد الشد بين المؤسسات الدينية، ويحتدم الخلاف بصورة تفقدها الهيبة المطلوبة لاحترام تفسيراتها واجتهاداتها.

المشكلة أن الضوضاء بشأن المسائل الفقهية والشرعية، تمنح فرصة لبعض الجماعات الدينية للعودة إلى المشهد العام، بعدما توارت خلال الفترة الماضية، بفعل الضربات الأمنية والسياسية التى وجهت لها.

اللغط الدينى والتصحر السياسى يوفران لها مناخا مواتيا للاشتباك مع المجتمع ومن يتعاطفون معها، لأن مؤسسات رسمية فى بعض الدول باتت متفرغة لتصفية الحسابات الشخصية، وغير عابئة بحجم التأثيرات التى تؤدى إليها التفسيرات الدينية المثيرة.

الخطورة أن التجاذبات الراهنة سوف تنحرف عن مسارها، ولن تغنى عن طرح القضايا السياسية، فالبيئة التى تتم فيها مناقشة بعض الموضوعات تموج بتيارات متصارعة. جزء منها أخذ شكلا دينيا، بينما هو يحمل طابعا سياسيا. فإثارة المساواة فى الميراث بين التونسيين على نطاق واسع، فى ظاهرها قضية دينية وفى باطنها سياسية، لأن المصادقة عليها من قبل الرئيس الباجى قايد السبسي، وجهت ضربة قوية لحزب النهضة الإسلامى الحليف القوى فى الحكومة التونسية.

لم يتنبه بعض الشيوخ إلى الأسباب الحقيقية التى دفعت تونس للتفكير بجدية فى هذه القضية الشائكة واتخاذ خطوات عملية لحل مشكلة مجتمعية حادة، وتغافلوا عن مناقشتها بهدوء، لأنهم أرادوا حصرها فى نطاق دينى صرف.

فى كل قضية دينية، نرى المؤيدين والمتعاطفين مع التيار الإسلامى تبنوا موقفا متشددا، والمختلفين معه جذريا كانوا أكثر ليونة، وهى ظاهرة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف عن وجه خفى يمكن أن يتفاعل سياسيا بشكل أكبر فى بعض المجتمعات العربية.

الدور النشيط لوسائل التواصل الاجتماعى سمح لكثيرين بالاشتباك مع القضايا الدينية، وتم استغلال السهولة التى تتمتع بها فى الانتقال من مكان إلى آخر فى حرفها عن أهدافها، لذلك لن تعد الموضوعات التى يتم طرحها فى مصر أو تونس مقصورة عليهما، فقد يمتد الحوار إلى دول أخرى، ما يمنحها جاذبية، تتجاوز الاشتباك بين المؤسسات الدينية، وتصل إلى حد التلاسن على الصعيد السياسى هنا وهناك.

الواقع أن النتائج التى تجلبها القضايا الدينية، تفوت الفرصة على من ساهموا فى العزف على وترها ومحاولة تشجيعها، وتجعلهم يعيدون التفكير فى الدوافع التى أدت بهم إلى تركها وطرحها على الفضاء العام، وتقنين وضع المؤسسات الدينية، ومن يُسمح له بالفتوى فى أمور معقدة، قبل أن يختلط الحابل بالنابل ويصبح من الصعوبة السيطرة على الموقف سياسيا وليس دينيا.

نقلا عن جريدة الاهرام.
ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38