رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد توفيق
د. عبدالمنعم سعيد
د. عبدالمنعم سعيد

أولاد حارتنا مجددا!

الأربعاء 28/نوفمبر/2018 - 02:28 م
طباعة

الأعمال العظيمة أدبا أو فنا أو سياسة ليس لها نهاية تاريخية، والأرجح أنها تتجدد مع كل تاريخ، حيث تكون النافذة التى يأتى الإطلال منها فتحدد إطار النظر، ووجهة التفكير. تماما كما هو الحال مع الأوبريات العظمى التى تتجدد مع كل موزع ومايسترو وجمهور، وكأن الحال أول مرة. أولاد حارتنا، رواية نجيب محفوظ التاريخية واحدة من هذه الأعمال، والتى أظنها مع الحرافيش والثلاثية تتصدر منتجاته الكبرى، وأكثرها إثارة للحوار. وفى كتاب الأستاذ محمد شعير «أولاد حارتنا: سيرة الرواية الذاتية» (دار العين للنشر) فإنها المدخل إلى حكاية مصر على مدى العقود الستة الماضية، فلم تكن قصة الرواية تبدأ من تاريخ نشرها فى الأهرام الغراء فى سبتمبر 1959، وإنما تجددت مع كل عقد، لأن نشرها فى مصر كان قصة، والمعارضة والخلاف معها قصة أخري، وعندما حاز الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الآداب باتت القصة جديدة تماما، وعندما طعن نجيب محفوظ بدا كما لو كانت القصة ولدت من جديد، لأن محاولة الاغتيال بسبب الرواية جاءت ممن لم يقرأها فى الأصل، وبرقت الرواية وقصتها فى كل العالم يوم وفاة الأديب العظيم فى 29 أغسطس 2006. ما بين النشر والوفاة كانت الرواية تدخل فى الخلايا المصرية، وتخرج من مسامها، فهى لم تكن قصة لأديب عظيم، ولا تجليا من التجليات الكبرى التى نحت فيها الأدباء والنقاد والدارسون للقصص الكبرى، وإنما كانت بشكل أو بآخر هى قصة مصر بتركيبتها وحيرتها وحساسيتها السياسية والفكرية، وترددها المستمر بين الحداثة والتقليد، والانطلاق والتراجع، والأمن والتنمية.

كتاب الأستاذ محمد شعير لا يحكى لنا ما جاء فى الرواية، وإنما يحكى لنا قصتها أو سيرتها المحرمة التى كانت نوعا من إقامة الحد على النص القصصى الذى يخرج عن كونه عملا أدبيا ويصير جزءا من الحوار العام حول مصر، مصيرها ومستقبلها. وفى الطريق وعبر ستة عقود تخرج علينا تركيبة مصر السياسية، قواها المتعددة، وحكمها، والنخبة الثقافية فى يسارها ويمينها، فى غبائها وعبقريتها أحيانا فى التوصل إلى حل وسط ينشر أولاد حارتنا فى الأهرام، وتقوم صحيفة الأهالى بتجميعها فى ملحق شامل، وحتى تقوم دار الآداب البيروتية بنشرها ويجرى توزيعها فى مصر باعتبارها منتجا أجنبيا؛ ومع ذلك فإن الرواية تظل محرمة فى مصر حفاظا على عفتها الدينية، حتى يأتى وقت يكون أمر نشرها مقبولا من كل المصريين تقريبا. أباحت مصر الرواية وحرمتها فى آن واحد؛ فهل توجد عبقرية أكثر من ذلك؟ وفى العقود الستة تبدو مصر مكونة من الحكم الذى يرتدى زى ثورة يوليو 1952 التى أشعلها الضباط الأحرار، والأزهر، والإخوان المسلمون، واليسار الذى بدأ بالشيوعيين وانتهى بالناصريين، ونخبة «مدنية ليبرالية» مبعثرة داخل ساحة القول، حتى ولو لم يكن لها بالضرورة تأثير.

المدهش فى مصر أن هذه القوى عندما تحتك بقضية محددة المعالم مثل هل يمكن نشر رواية أولاد حارتنا أم لا، يظهر فورا أنها ليست على قلب رجل واحد. الرواية مثلت «خضة» للضباط الأحرار، فشخصية مثل الجبلاوى الذى خرجت منه الحارة وزعماؤها المتأرجحون بين النبوة والخلق السياسي، هى شخصية جبارة يحن لها الناس ويخافونها ويحترمونها فى آن واحد. هى مع عاشور الناجى فى الحرافيش أصل الجماعة ومنتهاها، هى كاريزما تصبح فكرة يدور حولها الناس من حلقة تاريخية إلى أخري. ولأن آفة حارتنا النسيان فإن المدهش دوما هو القدرة المصرية على أن تعود من أول السطر أو من نقطة الحلقة الأولى حتى تعود إليها مرة أخري. بالطبع فإن هناك منطلقات أخرى يمكن منها الاقتراب من عمل أدبى عريض القماشة مثل أولاد حارتنا، ولكنه بالنسبة للضباط الأحرار يمكن فهمه كتعريض بالديكتاتورية. ومع ذلك، وبعد أن ظهرت الإشارات فى الأزهر، وجماعة الإخوان المسلمين، والعابرين بينهما مثل الشيخ محمد الغزالي، فإن عبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين لا يبتعدان كثيرا عن هذا التحالف الفكرى ويقطعون بمنع الرواية من النشر، بل إنهم قرروا فى لحظة اعتقال نجيب محفوظ ذاته الذى لم يعد روائيا يحاول الاقتراب من الأفكار الكبرى فى الأدب من السلطة إلى الحب، إلى كونه إما معارضا للنظام وإما كافرا وكفي. الرواية بهذا المعنى كاشفة عما فى التركيبة السياسية المصرية من تناقضات وتحالفات وكلها قائمة على علاقة غير مستقرة بين الدولة والدين من ناحية، وما بين الأدب والواقع من ناحية أخري. فالدساتير المصرية كلها جنحت إلى التناقض البناء بين الدولة والدين، حيث الدولة مدنية ولكن لها دين وشريعة هى مصدر أو المصدر للتشريع, وفى كل مرة يجرى فيها ما جرى لرواية أولاد حارتنا فإن الواقع يقضى بتفسيرها وفق مقتضيات السياسة القائمة وليس الآداب أو الفنون.

كتاب الأستاذ محمد شعير يبدو فى حد ذاته رواية، أو هكذا يكون الظن فيما ذهب إليه، وكما فى كل الروايات فإن لها أبطالها وشخوصها الذين لهم بشكل أو آخر أبعاد درامية وأحيانا تراجيدية. نجيب محفوظ ولا شك هو البطل الذى يتعرض للطعن المادى والمعنوي، وهو الذى تأتيه الوفاة كما تأتى لكل البشر. هو العبقرى والأديب الذى فى تواضعه الشديد يحارب دفاعا عن أدبه، ولكنه يواجه سهاما من السلطة، ومن الإخوان، ومن الأزهر، ومن يتصورون أنهم كانوا أحق بجائزة نوبل. ولكن، كما فى كل الروايات، فإن هنا أدوارا لا يمكن نسيانها: الأهرام ليس كصحيفة أو كمؤسسة صحفية نشرت القصة كان لها دورها البارز فى الدراما كلها، بل إن ممثلها الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما سأل السائل عما إذا كان نقد قصة رواية أولاد حارتنا موجها إلى نجيب محفوظ أو أنه فى الحقيقة كان موجها إلى الأهرام، وبالأحرى إلى الأستاذ هيكل شخصيا، كانت الإجابة إنها الأهرام الذى لم يكن فى ذلك الوقت محض صحيفة، ولكنه واحد من الفاعلين فى الساحة السياسية المصرية. ولكن حديث ذلك ربما يكون قصة أخري، فى وقت آخر!

نقلا عن جريدة الأهرام.

ads
ads
ads
القاهرة الطقس
ads
ads
ads
ads
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38