رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد الشواف
رجائى عطية
رجائى عطية

بين الوعي واليقظة

السبت 13/أكتوبر/2018 - 08:09 م
طباعة

 قليلٌ إن لم يكن نادرًا، ما يتأمل الإنسان في وعيه الذاتي.. فهو يمضي به دون أن يتمعن فيه، ولو التفت وتأمله لبدا أمامه نتفًا تشبه السحاب.. وهي نتف مدركة تتجمع وتتفرق بغير انقطاع ما دامت » الأنا » وحواسها ومداركها في حالة يقظة.

   يتفق علماء الاجتماع علي أن الإنسان حيوان عاقل، إلاَّ أن تسعة أعشار شقاء ومتاعب الآدمي تأتيه من عدم اعترافه بهذه الحقيقة، وبـأن عقلـه وذكـاءه ميزتـان أضيفتـا إلـي » الحيوانية » التي خُلقت عليها الكائنات، وأن العقل والذكاء ميزتان أضيفتا للإنسان لتهيئا له قدرة أعرض وخدمة أكمل وأمتع مما يتهيأ لباقي الكائنات التي تشترك وإيّاه في باقي الصفات.

  فلماذا حُبِي الإنسان وحده بهذه الإضافة، وبذلك الحجم والسخاء، بما يزيد عن سائر الكائنات ؟

  يبدوأن هذه الميزة مقابل للأمانة التي يحملها الإنسان.. والذي ذكَّره ربه بأنه فضَّله علي كثير من خلقه تفضيلاً، وذكر أن السموات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة، وأشفقن منها.. وحملها الإنسان.

   إلاَّ أن الواقع أن الإنسان لا يستعمل » حقيبته العقلية » الهائلة، إلاَّ في أقل القليل، فيفوّت علي نفسه الكثير مما هيأه الله تعالي له لتحصيل الفهم وإدراك كنه الحياة وأسرار الكون وسنة الله عز وجل فيه.

الولاء لله 

لا يملك الآدمي ولاءً لله عز وجل، سوي تذكره علي قدر استطاعته الآدمية، وعلي قدر إمكانه البشري المحدود بحدود جزئية، سواء من حيث وعيه، أوفهمه أوإحساسه الذي يعبر عنه بلغته البشرية.

هذا التذكّر هوعن طريق تذكّر قدرته سبحانه وتعالي، وصفاته وآثاره وأفعاله المختلفة المعروفة لنا، القابلة للإشارة والتعريف والتسمية بلغاتنا البشرية، وتذكّر مواقفنا نحن إزاءه عز وجل، وإزاء نعمه وأفعاله سبحانه فينا وفي حياتنا، وتذكّر نتائج وعينا لها فينا وفي حياتنا.

الواسع العليم

 إننا ندرك من السعة أنها ضد الضيق، وأنها الفسحة والاتساع المكاني والإمكاني، والغني والكثرة والإحاطة والقدرة والطاقة.. يوصف بها الزمان والمكان والماديات والمعنويات، ويتصف بها المبدأ والقاعدة والأصل والعلم والتفكير والتصور والخيال والحيلة والخطة والتدبير والصبر والمصدر والخطووالقفز والأفق والأرض والسماء والكون والعالم، وتطلق علي اللفظ والعبارة والإشارة، وعلي الحقوق والحريات والرخص والإطلاقات. هي انفساح الحدود أيا كانت، وانفراج الشروط والأسوار والقيود، وتراجع الموانع والسدود، وانحسار الضعف والعجز.

فهل فهمنا صفة الله تعالي بأنه الواسع العليم ؟

فسرها البعض بأنه ـ جل وعلا ـ الكثير العطاء يسع كل ما يُسأل، المحيط بكل شيء.. في عطائه بكرمه سبحانه وتعالي الذي لا حد له، وفي إحاطته عز وجل واستغراقه لكل ما كان وما سيكون.

إلاَّ أن هذا الفهم يبقي معظم المراد من قوله تعالي » اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » ـ يبقيه مسكوتًا عنه، لا يحيط إحاطة كاملة به..

إن هذا التعبير القرآني مرادف معني ومبني لقوله سبحانه : » الله أكبر »، أولقوله عز وجل » الله أكبر كبيرًا ».

فالخالق عز وجل أوسع الواسع في أي اتجاه وفي كل اتجاه.. فهوسبحانه وتعالي موجود في كل زمان ومكان، وقدرته أوسع من حدود المكان والزمان، ولأنه جل شأنه خالق الكل، بما في ذلك السعة والضيق والغني والفقر والكثرة والقلة والإحاطة والانحصار والقدرة والعجز والطاقة والاعياء والزمان والمكان والماديات كلها والمعنويات كلها. وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما.. ولا نحيط بشيء من علمه إلاَّ بما شاء..

واجب علينا جميعًا أن نعي ذلك حين نتوجه إليه سبحانه، وحين ندعوإليه، وحين ننطق باسم من أسمائه.. فبغير ذلك يتعرض وعينا للغفلة.. لا عن اسمه عز وجل، فأسماؤه معروفة في الكتاب المبين، وإنما نغفل عن » خلقيته » أي عن » صفة الخالق »، وعن سعة خالقيته.. هذه السعة التي مع تذكرها يهبط كل سعي لدينا نتصور أنه بالغ بنا حد المخادعة عن حقيقة أغراضنا !

وعينا

إن وعينا يولد مع ميلادنا، وينمومع نمونا، ولكننا ننساه !.. ننساه في بداياتنا وننسي وظيفته ومهمته وضرورته للعقل والإرادة والاختيار، ولذلك ننسي حاجته الدائمة إلي اليقظة والتيقظ وإلي مقاومة الإغفال والغفلة، إذ من ذلك يدخل ويتسيد في وعينا ـ الوهم والغرور والطمع والكبرياء، أوالشعور ـ علي العكس ـ بالصغار أوالكآبة أوالتشاؤم أوالقنوط واليأس !

اليقظة والتيقظ

اليقظة أوالتيقظ اعتياد يحتاج الإحساس بوجوده إلي المحافظة علي تنميته، لأنه مــن المقومات الأساسية للوعي … وعموم الآدميين يشتركون في عموم الوعي، لكنهم علي الدوام يختلفون في مقداره في كل عمر ومناسبة وموقف وربما أيضًا في كل مكان ! ودواعي اختلافهم فيه أفرادًا وجماعات ـ وهي لم تنقطع ولن تنقطع ـ تزيد كثيرًا عن دواعي اتفاقاتهم التي يضمن بقاءها غالباً اعتيادهم علي تنفيذها.. ولعل لهذه الاختلافات أصلا في خلقة الإنسان من الأصول التي تدفعه إلي السعي والانتشار ومن ثمَّ إلي التنوع !

الثقة

لا غناء للإنسان عن الثقة لتمضي حياته علي ما يرنوإليه، وهذه الثقة ممتدة الجذور والفروع في كل ما نسميه المكان والزمان، وكل ما نسميه الماضي والحاضر والمستقبل، والقريب والبعيد، والفـوق والتحت، والظاهر والخفي، والأول والآخر، والأصل والفرع، والسـبب والنتيجة. موجودة في العقل والنفس والروح والعاطفة، وفي الإنسان والحيوان والنبات. وموجودة في الحياة كلها في كل حي وفي كل خبرات الحي وكل ما هوموضوع لخبراته.

إن ما نسميه الخطأ والشر والرذيلة، وما نسميه العصيان والتمرد والثورة والغضب، وما نسميه الفشل والإخفـاق والإحباط، وما نسميه القلق والخوف والفزع والجزع والجبن والرياء والنفاق ـ كل ذلك متصل بالثقة، وناجم عن أحوال اهتزت فيه هذه الثقة أوتضعضعت أواختفت من طاقة الحي ومن أفق حياته، فتسبب اهتزازها وتراجعها في هذه الآفات أوالعوارض التي تعترض مطالب الإنسان وتحبطه فيما يتمناه ويتطلع إليه.

فالثقة المطلقة التي لا تفارق القلب والعقل قط ـ هي حضور المطلق علي الدوام فيهما، وهـي ما نسميه الإيمـان العميق بالله.. هذا الإيمان العميق ليس مجرد معرفة أومجرد فهم خاليين تماماً من الثقة.. إذ يستحيل أن يكون كذلك، لأنه يستحيل أن توجد خبرة بشرية أوخبرة حية خالية تماماً من الثقة المطلقة التي لا تفارق القلب والعقل معاً في أية لحظة في أي خبرة.. حتي عند التعامل مع المجهول أومواجهته.. والإيمان العميق بالله هوالمدد الحقيقي لهذه الثقة، والقدرة علي التعامل بها مع الحياة !

نقلا عن جريدة أخبار اليوم

ads
ads
ads
ads
ads
ads
القاهرة الطقس
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
دولار امريكي
18.05
ج.م
بتوقيت القاهرة
الفجر
0.:38
الظهر
0.:38
العصر
0.:38
المغرب
0.:38
العشاء
0.:38